العراق والنفط.. الرخاء الزائف والسيطرة الخارجية

العراق والنفط.. الرخاء الزائف والسيطرة الخارجية
يكشف واقع الاقتصاد العراقي عن رخاء زائف قائم على ريع النفط وهيمنة الخارج، حيث تُدار العوائد عبر الاحتياطي الفدرالي الأميركي، فتتحول الثروة إلى أداة ضغط، فيما يبقى الخلاص في تنويع الدخل، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل يعيد للعراق سيادته التنموية.....

إن مثل العراقيين مع النفط يشبه حال شخص ورث ثروة هائلة تفوق بأضعاف أي دخل يمكن أن يجنيه من أي نشاط اقتصادي آخر، مما يجعله يعزف عن العمل ويعتمد كليا على ما ورثه في معيشته (هذا المشهد يطلق عليه في ادبيات الاقتصاد “لعنة الموارد”). هكذا، يعيش العراقيون على هذا الايراد الذي ينفق يوميا دون أن يستثمر في بناء اقتصاد حقيقي قادر على ضمان حياة مستدامة. فالإيرادات النفطية تشكل أكثر من 90% من ايرادات الحكومة وقرابة 60% من الناتج المحلي الاجمالي تذهب في الغالب إلى الاستهلاك المباشر من خلال ادخالها كإيراد عام الى الموازنة الجارية للدولة، وانفاقها على الرواتب والاجور والنفقات التشغيلية الاخرى. بينما تبقى الصناعات المحلية والزراعة والخدمات محدودة، ما يجعل الاقتصاد هشا وعاجزا عن الصمود أمام الأزمات.

الإيرادات النفطية والسيطرة الخارجية على الاقتصاد

هناك جنبة اخرى للموضوع، فما يبدو ثروة وطنية ضخمة هو في الواقع مورد تحت وصاية خارجية، فالدولارات التي يدفعها العالم مقابل النفط لا تصل مباشرة إلى خزائن بغداد، بل تمر أولا عبر الاحتياطي الفدرالي الأميركي، الذي يتحكم بإيقاع تدفقها الى العراق بالية تجعل الولايات المتحدة قادرة على استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي واقتصادي. الدرس الأوضح جاء عام 2023، حين شددت واشنطن القيود على التحويلات الدولارية لتقييد قدراته على التعامل مع الدول التي تعتبرها “مارقة”، فانخفض المعروض من العملة الصعبة وارتفع سعر صرف الدولار في السوق الموازية من 1470 إلى أكثر من 1650 دينارا، لتشتعل الأسواق، وتؤثر سلبا على القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الناس. وفي بلد يغزوه الجهل وتضعف فيه الثقافة المدنية، يسهل استغلال تقلبات الاقتصاد وتجييرها لصالح الاضطراب السياسي، من خلال اعادة استدعاء الخلافات الاجتماعية والدينية والطائفية، وتحويلها إلى وقود سياسي سريع الاشتعال. يترك الشارع ملعبا للتحركات السياسية والصراعات الموجهة، بينما يبقى الاقتصاد أداة ضغط على الجميع.

ضرورة تنويع مصادر الدخل وتطوير الاقتصاد الإنتاجي

التحدي الأكبر أمام العراق هو كسر هذه الحلقة عبر تنويع مصادر الدخل وتطوير اقتصاد إنتاجي حقيقي، بحيث لا يبقى النفط والدولار الأميركي المنبع الوحيد للحياة الاقتصادية. لكن هذا التحول يتطلب إرادة سياسية صلبة، واستقرارا أمنيا، وإصلاحات عميقة في بنية الدولة، وتامين البنى التحتية، وربط التعليم بسوق العمل، بما يقلل الاعتماد على النفط ويزيد صمود الاقتصاد أمام أي صدمة، ولكن هذه أمور تصطدم في الواقع اليومي بمصالح قوى محلية وخارجية ترى في استمرار الوضع الحالي ضمانة لاستمرار نفوذها.

حتى ذلك الحين، سيظل العراق يعيش على ورثه النفطي كهدية يومية مشروطة، واي محاولة للتغيير تحمل معها مخاطر كبيرة على الاقتصاد والسياسة والنسيج الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *