مأزق الحكومة في الدولة النفطية

مأزق الحكومة في الدولة النفطية
تواجه الدول النفطية مأزقًا اقتصاديًا بسبب المرض الهولندي والاشتراكية التلقائية، إذ يؤدي الريع النفطي إلى تراجع الإنتاج المحلي وتضخم القطاع العام. والحل بتنويع الدخل، وضبط الإنفاق، وإنشاء صناديق سيادية لاستثمار الموارد وتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة....

قد يكون العنوان مثيرا فكيف يمكن ان تكون الحكومة في دولة نفطية في مأزق؟ ان غنى الدولة بموارد الطاقة يعود على الدولة بموارد مالية يجعلها تتوفر على اموال كافية لتنفيذ برامج تنموية بسهولة على نطاق واسع. ولكن المشكلة ان هذه الموارد والتي يطلق عليها في ادبيات الاقتصاد ( الموارد الريعية) توقع الاقتصاد في مشكلتين هما المرض الهولندي, والاشتراكية التلقائية.

المرض الهولندي:

سمي بهذا الاسم لانه تم تشخيصه في هولندا في ستينات القرن الماضي عندما اكتشفت مصادر الغاز الطبيعي في حدودها ضمن بحر الشمال. والمسمى ليس كما يوحي مرضا يصيب صحة الانسان، وانما هو وبتبسيط شديد ظاهرة هيكلية تصيب الاقتصاد عندما تؤدي الموارد المالية الكبيرة المتحققة من تصدير الموارد الطبيعية الى تقييم قيمة العملة المحلية باكثر من قيمتها الحقيقية المستندة الى الانتاج الحقيقي القابل للتداول في السوق المحلي والخارجي. وذلك يؤدي الى ارتفاع كلفة المنتوج المحلي، من ثم يصبح كل ماينتج محليا غالي الثمن، وكل مايستورد رخيص الثمن، وهذا سيؤدي حتما الى القضاء على الانتاج المحلي في كل القطاعات الاخرى غير القطاع النفطي. وتشجيع استيراد كل شيء، مؤديا الى بطالة واسعة النطاق.

الاشتراكية التلقائية:

بسبب غنى الدولة واتساع البطالة، وفي سبيل معالجة ذلك تقوم الدولة بالتوسع في الوظائف العامة، وزيادة التوظيف في قطاعات الاقتصاد التي تتلقى دعما وحماية من الدولة. والنتيجة هي قطاع عام كبير في ظاهرة اطلق عليها (الاشتركية التلقائية). هذا النوع من الاشتراكية يحصل في الدول الريعية حتى تلك التي تمقت الاشتراكية. او قد تقوم الدولة بتوزيع الموارد النفطية على الناس باشكال مختلفة، والمشكلة ان الدولة ليس بامكانها التراجع عن هذه الهبات عند انخفاض عوائد النفط فتقع في حرج مع الناس.

ويجب على الحكومة أيضاً وضع خطط واضحة لاستثمار الموارد في مشاريع مستدامة، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط. كما يمكن تحسين إدارة الإنفاق العام وتعزيز الرقابة المالية، لتفادي الإفراط في الاعتماد على الهبات النفطية. والاستثمار في القطاعات الإنتاجية سيزيد من الاستقرار الاقتصادي ويخفف من آثار تقلبات أسعار النفط.

بالرغم من فشل اكثر الدول الريعية في تجاوز المشكلة، الا انه يمكن الزعم  ان تجاوزها مرهون بقدرة الدولة على تفادي الأخطار التي تصاحب الهبات الطبيعة. فالموارد الطبيعية نعمة ونقمة في الوقت ذاته. التغلب على المشكلة يمكن ان يتحقق من خلال عدم استسلام الحكومة للضغوط السياسية لزيادة الانفاق العام الجاري. والشروع بتكوين صندوق سيادي يستثمر اموال النفط، وبسبب عدم توفر نظام مالي تطور في الدول النامية ومنها العراق، فيمكن ان يتم ذلك من خلال استثمار الاموال ضمن النظام المالي الدولي، واستيعاب الايردات ضمن الاقتصاد المحلي تدريجيًا، ويمكن ان تكون اموال الصناديق السيادية احتياطيا جاهزا عند هبوط اسعار النفط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *