الناظم المائي كفرصة اقتصادية للزراعة والصناعة في جنوب العراق

الناظم المائي كفرصة اقتصادية للزراعة والصناعة في جنوب العراق
يُعدّ إنشاء ناظم مائي على شط العرب مشروعاً استراتيجياً لحماية البصرة من اللسان الملحي وتعزيز الأمن المائي والزراعي، شرط أن يُنفذ بتصميم متكامل يراعي الملاحة والتوازن البيئي والتفاهمات الإقليمية، ليحول الأزمة المائية إلى فرصة للتنمية المستدامة....

سالت الذكاء الاصطناعي سؤالا عن إمكانية إنشاء ناظم مائي على شط العرب لمواجهة اللسان الملحي الذي يمتد فيه الذي يتسبب في شحة المياه في البصرة وجنوبها ويخرب الزراعة هناك . من النواحي الفنية والاقتصادية والسياسية والملاحية . فاجابني بالتقرير ادناه:

تتكرر أزمة مياه الشرب في مدينة البصرة كل صيف تقريبًا، حين يتراجع منسوب المياه الواردة من دجلة والفرات، فتزحف الملوحة القادمة من الخليج الفارسي شمالًا عبر شط العرب. هذا “اللسان الملحي” يتسبب في تلوث المياه العذبة، ويقوّض إمكانية استخدامها للشرب والري، ويزيد من الضغط الاجتماعي والاقتصادي على سكان المنطقة. من هنا برزت فكرة إنشاء سد أو ناظم مائي عند موقع مناسب على شط العرب ليكون حاجزًا يقاوم زحف الملوحة، ويعيد التوازن البيئي والإنساني إلى المنطقة.

تقوم الفكرة على تشييد منشأة هيدروليكية متطورة تعمل كبوابة تتحكم بحركة المياه. في أوقات المدّ البحري تُغلق الأبواب لمنع اندفاع المياه المالحة شمالًا، وفي أوقات الجزر أو ارتفاع الإطلاقات النهرية تُفتح للسماح بتدفق المياه العذبة نحو الخليج. يمكن أن يُدعَّم الناظم بخزانات جانبية مبطّنة تُملأ عند توافر المياه العذبة وتُستخدم لتزويد محطات الإسالة والري عند الحاجة. بهذا الأسلوب لا يتحول السد إلى مجرد حاجز جامد، بل إلى نظام ديناميكي يوازن بين حماية المورد المائي وضمان التدفق البيئي.

لكن المشروع لا يُنظر إليه من زاوية تقنية بحتة. فالملاحة في شط العرب تُعدّ شريانًا استراتيجيًا لتجارة العراق النفطية وغير النفطية، وأي سد يجب أن يتضمن هويسًا بحريًا متطورًا يتيح مرور السفن دون تعطيل. وهذا يرفع الكلفة الفنية ويستدعي تصاميم دقيقة تحافظ على عمق المجرى وتحد من النحر والترسيب. كما أن الموقع الجغرافي الحساس لشط العرب، باعتباره نهرًا مشتركًا مع إيران وقريبًا من الكويت، يفرض أن تكون أي خطوة في إطار تفاهمات وشراكات مائية إقليمية، حتى لا يتحول الحل الداخلي إلى مصدر توتر خارجي.

المشروع المائي الكبير: رهان العراق على الأمن المائي والاقتصادي

من الناحية الاقتصادية، سيكلف المشروع استثمارات بمليارات الدولارات، لكنه في المقابل يحمي البصرة من أزمات عطش متكررة، ويعيد الحياة الزراعية لآلاف الهكتارات، ويقلل الاعتماد على محطات التحلية المكلفة. أما بيئيًا، فمن المتوقع أن يساهم في تحسين التنوع الإحيائي شمال السد، شرط ألا يقطع التدفق الطبيعي نحو الجنوب بشكل كامل، إذ أن بعض التبادل مع مياه البحر ضروري للحفاظ على النظام البيئي في المصب.

إجمالًا، فإن إنشاء ناظم مائي على شط العرب يمثل خيارًا استراتيجيًا لمواجهة الملوحة وحماية المياه العذبة. غير أنه ليس حلًا سحريًا بمفرده، بل ينبغي أن يكون جزءًا من حزمة متكاملة تشمل تحسين إدارة المياه في أعالي النهر، تقليل الهدر في الري، وبناء محطات تحلية مكمّلة. نجاح هذا المشروع مشروط أيضًا بتأمين توافق وطني وسياسي، وتفاهمات إقليمية مع دول الجوار، وتصميم يوازن بين حاجات الإنسان والبيئة والملاحة.

إنه مشروع ضخم، لكنه في حال تنفيذه بطريقة مدروسة سيعيد للبصرة حقها في مياه عذبة مستقرة، ويمنح العراق أداة استراتيجية لحماية شط العرب من تهديد اللسان الملحي، ويحوّل معضلة متكررة إلى فرصة للتعاون والتنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *