الروشة صخرة السيد وانتفاضة بيروت

الروشة صخرة السيد وانتفاضة بيروت
تحوّلت صخرة الروشة في الذكرى الأولى لاستشهاد السيد حسن نصر الله إلى رمز للوحدة والكرامة، إذ اجتمع اللبنانيون من مختلف الطوائف لرفع صوره وأعلامه، معلنين وفاءً وصموداً، وجاعلين المكان أيقونة تاريخية تعكس عزيمة الأمة وإرادتها...

كانت الأمواج تعصف كعادتها عند أقدام صخرة الروشة، ذلك المعلم الذي بقي واقفًا في وجه الزمن والعواصف. هناك، في ذلك المكان الذي اعتاد الناس أن يلتقطوا عنده الصور، اجتمع الخلاف يومًا حول صورة أراد البعض أن تُرفع، فيما حاول آخرون منعها. كانت صورة السيد حسن نصر الله، رمزًا صار عند جماهيره أيقونة للصمود والتحدي.

قال بعضهم: لا ترفعوا شيئًا على الصخرة، دعوها كما هي، فهي للجميع. لكن آخرين أجابوا: وهل هناك رمز يجمع الناس على الكرامة أكثر من هذا الرجل؟ هنا بدأت الحكاية تأخذ طابعها المختلف؛ إذ لم يكن الصوت واحدًا من طائفة بعينها، بل جاء الحماس من أبناء الشعب اللبناني كلّه، من الجنوب والشمال، من البقاع والجبل، من المسلمين والمسيحيين والدروز وسائر الانتماءات.

الروشة تتحول إلى أيقونة

اجتمعوا في مشهد غير مسبوق، حملوا الأعلام والرايات، ورفعوا الصورة الكبيرة كأنها راية على حصن قديم. كان المشهد مهيبًا، والبحر يصفّق بأمواجه، والنوارس تحلّق في الأعلى كأنها تشهد على استفتاء غير مكتوب. بدا الأمر أشبه بتصويت علني على زعامة رجل اختاره الناس ليكون عنوانًا لعالم آخر غير مألوف؛ عالم العزة والكرامة.

لم يكن الأمر تحديًا للمعارضين فحسب، بل كان إعلانًا عن هوية جديدة، هوية شعب قرر أن يقف في وجه الرياح مثلما وقفت الروشة نفسها عبر القرون. من رفضوا، صمتوا أمام الحشود التي غطت أصواتهم. ومن أرادوا المنع، انحنوا أمام عزيمة الناس الذين رفعوا الصورة بأيدٍ ترتجف لا من خوف، بل من شدة الحماس.

في الذكرى الأولى لاستشهاد السيد حسن نصر الله، عادت صخرة الروشة لتكتسي حلة جديدة، حيث جُمعت الصور المضيئة له ووضعت على الصخور والأعمدة المحيطة بها. تزيّنت الروشة بالأعلام والورود، وصارت مكانًا يلتقي عنده اللبنانيون من مختلف المناطق والطوائف لتجديد الولاء والوفاء. كان الأطفال والشباب يرفعون الصور بفخر، والشيخوخة تراقب المشهد بدموع الفخر والاعتزاز. كل زاوية من الصخرة شهدت على كلمة أو شعار، وكل موجة ارتدت صدى الحنين والذكرى. لقد تحوّل المكان إلى رمز حيّ يروي قصة رجل صمد ومات وشهدت له الأمة.

في كل ركن من صخرة الروشة، يتردد صدى الشهيد، وتزدهر الصور والرايات كرمز للوفاء والكرامة. كل خطوة على الصخور تحمل رسالة الصمود، وكل موجة ترتد على الشاطئ تذكر بدمائه الطاهرة. لقد صار المكان ملتقى الأجيال، شاهداً على تاريخ لم يزل حيّاً، ورمزاً لكل حرّ يؤمن بالقيم والمقاومة.

وفي لحظة الغروب، انعكست أشعة الشمس على سطح البحر، فأضاءت الصورة المرفوعة كأنها مشعة من داخلها. وقف الجميع صامتين، حتى من اختلفوا، إذ شعروا بأن ما يجري أمامهم لم يعد مجرد فعل احتجاجي أو عاطفي، بل حدثًا تاريخيًا سيُروى طويلًا: يوم أصبحت الروشة صخرة السيد، ويوم قال الناس، كل الناس، إن للكرامة عنوانًا واحدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *