هنا الحقيقة.. قراءة للموقف من إيران بعد الثورة.. بوصلة المواقف..!

هنا الحقيقة.. قراءة للموقف من إيران بعد الثورة.. بوصلة المواقف..!
توضح القراءة أن التحول الإيراني بعد الثورة من حليف للمنظومة الأمريكية الإسرائيلية إلى خصم لها أعاد تشكيل الصراع الإقليمي، وجعل المقاومة والاستقلال ودعم فلسطين محوراً لمواجهة سياسية وفكرية تتجاوز الحسابات العسكرية والطائفية...

لفهم الموقف العربي والغربي والأمريكي والإسرائيلي من إيران، لا بد من العودة إلى اللحظة التي تغيّر فيها موقع إيران من خارطة المنطقة. فالمسألة لم تكن مجرد تغيير نظام سياسي داخل دولة، بل كانت تحولا في وظيفة إيران الإقليمية وفي طبيعة خطابها وعلاقاتها ومواقفها من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

فقبل الثورة، كانت إيران جزءا من منظومة إقليمية مختلفة، وكانت علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل تقوم على حسابات ومصالح لم تعد قائمة بعد انتصار الثورة الإسلامية. وبعدها خرجت إيران من خندق التطبيع، وأعلنت القطيعة مع إسرائيل، وجعلت فلسطين قضية مركزية في خطابها السياسي، وبدأت تتبنى بصورة أكثر وضوحا فكرة دعم حركات المقاومة ومساندة الشعوب التي ترى نفسها واقعة تحت الاحتلال أو الهيمنة الأجنبية.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع.

لم يكن أكثر ما أقلق الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية هو مجرد امتلاك إيران للقوة أو سعيها إلى تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية، وإنما كان الخوف الأكبر من الفكرة التي حملها خطابها: أن شعوب المنطقة قادرة على بناء أمنها، وأن حماية الدول لا ينبغي أن تكون مرهونة دائما بوجود القوات والقواعد والقوى الأجنبية، وأن مقاومة الاحتلال والهيمنة يمكن أن تتحول من فعل محدود إلى منهج سياسي وثقافي عابر للحدود.

ولهذا أصبح وصف إيران بتصدير الثورة من أكثر العناوين استخداما في مواجهة مشروعها. فالمقصود لم يكن دائما مجرد الحديث عن نقل نموذج سياسي، وإنما كان الخوف من انتقال فكرة الاستقلال عن القرار الأجنبي، وانتشار ثقافة المقاومة، وظهور قوى اجتماعية وسياسية تؤمن بأن مصير المنطقة يمكن أن يصنعه أبناؤها لا القوى الكبرى التي اعتادت إدارة شؤونها.

وهنا تحديدا بدأ الاشتباك الحقيقي.

فكلما اتسع حضور المقاومة في المنطقة، اتسعت معه حملات الشيطنة ضد إيران. وكلما أصبحت فلسطين حاضرة في السياسة الإيرانية، أصبح من الضروري بالنسبة إلى خصومها إعادة تعريف إيران أمام الشعوب باعتبارها خطرا طائفيا أو قوميا أو توسعيا، بدلا من أن تُرى باعتبارها دولة تخوض صراعا سياسيا مع منظومة إقليمية ودولية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

ولم يكن الخطاب الطائفي بعيدا عن هذه المعركة.

فجرى تضخيم الحديث عن المد الشيعي، وتحويل الخلاف المذهبي إلى أداة سياسية، وتصوير كل علاقة مع إيران على أنها مشروع طائفي، وكأن الصراع في المنطقة صراع بين السنة والشيعة، وليس صراعا متعدد الأبعاد تتداخل فيه قضايا الاحتلال والسيادة والاستقلال والتحالفات والمصالح الدولية.

والحقيقة أن المواقف السياسية لا يمكن اختزالها بالمذهب.

فإيران دعمت قوى وحركات وشخصيات من مذاهب واتجاهات مختلفة عندما رأت أنها تقع في دائرة المقاومة أو مواجهة الاحتلال والهيمنة. كما أن القضية الفلسطينية نفسها ليست قضية شيعية ولا سنية، بل قضية شعب واقع تحت الاحتلال، وقضية إنسانية وسياسية وأخلاقية تتجاوز الحدود والمذاهب والأديان.

بل إن منطق المساندة الإيرانية، كما تقدمه طهران، لا يقوم على سؤال من أي مذهب أنت بقدر ما يقوم على سؤال: أين تقف من الاحتلال والمقاومة والاستقلال؟

وهذا لا يعني أن إيران دولة بلا مصالح أو أن سياستها الخارجية خالية من الحسابات. فكل دولة تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي ونفوذها. لكن الخطأ هو اختزال كل ما تفعله إيران في تفسير طائفي واحد، لأن ذلك يحجب جانبا أساسيا من حقيقة الصراع.

الأكثر إثارة للتأمل هو أن بعض الذين كانوا ينظرون إلى إيران بإيجابية عندما كانت علاقاتها منسجمة مع مصالحهم، تحولوا إلى خصوم لها عندما تغيرت مواقفها وتحالفاتها.

وهنا تكمن الحقيقة.

المشكلة بالنسبة إلى بعض هؤلاء لم تكن في إيران لأنها إيران، وإنما في إيران التي لم تعد معهم.

فحين كانت طهران جزءا من منظومة سياسية إقليمية مقبولة لدى الغرب، لم يكن الحديث عن خطر المد الإيراني يأخذ الشكل الذي عرفناه لاحقا. وحين خرجت من تلك المنظومة، واصطدمت بالولايات المتحدة وإسرائيل، ودعمت القضية الفلسطينية وقوى المقاومة، أصبح المطلوب إعادة صياغة صورتها في الوعي العربي باعتبارها العدو الأول.

وبذلك تحولت السياسة إلى خطاب، والخطاب إلى دعاية، والدعاية إلى فتنة.

وأصبح من السهل على الحكومات الضعيفة أن تخيف شعوبها من إيران بدلا من أن تواجه الأسئلة الأصعب: لماذا تحتاج دولنا إلى الحماية الأجنبية؟ ولماذا لا تستطيع شعوب المنطقة بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة؟ ولماذا تبقى فلسطين حاضرة في الخطاب العربي وغائبة عن الكثير من موازين القوة العربية؟

إن أخطر ما في المشروع الإيراني، من وجهة نظر خصومه، ربما لا يكمن في الصواريخ ولا في الطائرات المسيرة ولا في النفوذ السياسي وحده، وإنما في تحويل فكرة المقاومة إلى ثقافة، وتحويل الاستقلال إلى قيمة سياسية، وإقناع قطاعات من شعوب المنطقة بأن الأمن يمكن أن يكون إقليميا، وأن القوة ليست حكرا على القوى الكبرى، وأن الشعوب تستطيع أن ترفض الاحتلال والوصاية والتبعية.

ولهذا لم تكن المواجهة مع إيران عسكرية فقط، بل كانت أيضا مواجهة على مستوى الوعي.

حاول خصومها أن يقولوا للشعوب: إيران تريد السيطرة عليكم.

وكان الرد الإيراني، بصورة أو بأخرى: نحن نريد أن تكونوا قادرين على رفض من يريد السيطرة عليكم.

وبين العبارتين مسافة هائلة.

قد يختلف المرء مع إيران في سياساتها، أو ينتقد بعض خياراتها، أو يعارض نفوذها الإقليمي، وهذا حق مشروع. لكن القراءة الموضوعية تقتضي ألا نخلط بين النقد السياسي المشروع وبين الرواية الدعائية التي تجعل كل موقف إيراني مؤامرة طائفية، وكل علاقة مع إيران خيانة، وكل دعم للمقاومة مشروعا للتوسع.

إن التاريخ لا يقرأ بالشعارات وحدها، وإنما بقراءة التحولات والمواقف والتحالفات.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب اجتماع مواقف مختلفة، عربية وغربية وأمريكية وإسرائيلية، على مواجهة إيران بعد الثورة، رغم اختلاف دوافع كل طرف. فهناك من يخشى على تحالفاته، ومن يخشى على أنظمته، ومن يخشى على نفوذه، ومن يخشى على أمن إسرائيل، ومن يخشى ببساطة من أن تتحول فكرة الاستقلال والمقاومة إلى نموذج قابل للتكرار.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

قد يكون الاختلاف مع إيران سياسيا، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى صراع مذهبي يخدم في النهاية من يريد للمنطقة أن تبقى منقسمة على نفسها.

وقد يكون نقد إيران ضروريا، لكن تجاهل القضية الفلسطينية والمقاومة والهيمنة الأجنبية عند قراءة الموقف منها يجعل الصورة ناقصة.

وقد تكون لإيران مصالحها ونفوذها وحساباتها، لكن ذلك لا يلغي أن خصومها أيضا لديهم مصالحهم ونفوذهم وحساباتهم.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تريد إيران أن تتمدد؟

بل ينبغي أن نسأل أيضا: لماذا يخشى البعض من أن تتمدد فكرة المقاومة والاستقلال؟

ولماذا يصبح البلد الذي يرفض التطبيع ويضع فلسطين في قلب سياسته الخارجية مشكلة، بينما لا يُنظر إلى علاقات وتحالفات أخرى مع القوى الكبرى بالمنظار نفسه؟

هنا الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الطائفية والدعاية السياسية:

إيران بعد الثورة لم تعد إيران التي كانت قبل الثورة، والمنطقة نفسها لم تعد كما كانت. لقد انتقلت طهران من موقع الحليف للمنظومة الأمريكية الإسرائيلية إلى موقع الخصم لها، ومن علاقة وثيقة بإسرائيل إلى موقف عدائي معلن منها، ومن سياسة إقليمية مختلفة إلى دعم متزايد لفكرة المقاومة.

ومنذ ذلك التحول، بدأت معركة طويلة على النفوذ والوعي معا.

وفي هذه المعركة، لم يعد المطلوب فقط هزيمة إيران عسكريا أو اقتصاديا، بل تقديمها للشعوب بصورة تجعل أي تقارب معها يبدو جريمة، وأي حديث عن المقاومة يبدو طائفية، وأي دعوة للاستقلال تبدو مؤامرة.

لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك وأكثر تعقيدا في الوقت نفسه:

من كانوا مع إيران عندما كانت معهم، صاروا ضدها عندما لم تعد معهم.

وهنا تكمن الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *