في الرابع من سبتمبر من عام 1980، كانت المنطقة تقف على عتبة بداية واحدة من أطول وأكثر الحروب استنزافا في تاريخها الحديث، حرب لم تبدأ في اللحظة التي دخلت فيها الجيوش العراقية الأراضي الإيرانية، وإنما سبقتها مرحلة طويلة من التصعيد والاعتداءات والاستفزازات، كان النظام الصدامي خلالها يعتقد أن بإمكانه فرض إرادته بالقوة، وأن الثورة الإسلامية في إيران لن تستطيع الصمود أمام آلة عسكرية مدعومة إقليميا ودوليا.
لقد حاولت إيران في بداية الأزمة تجنب الانجرار إلى حرب شاملة، وراهن قادة النظام العراقي ومن يقفون خلفه على أن هذا الصبر ليس سوى ضعف، وأن عدم المبادرة إلى الرد الواسع يعني عجزا عن المواجهة. وهنا وقع الطاغية المقبور في واحد من أكبر أخطائه الاستراتيجية، فقد قرأ ضبط النفس الإيراني باعتباره خوفا، وقرأ الرغبة في تجنب الحرب باعتبارها عدم قدرة على خوضها.
وفي 22 سبتمبر 1980، انتقل النظام العراقي إلى الحرب الشاملة، حين شن هجوما واسعا على إيران، متوهما أن الحرب ستكون خاطفة، وأن بإمكانه تحقيق أهدافه خلال فترة قصيرة. لكن الحسابات التي بنيت على وهم الضعف الإيراني سرعان ما بدأت تنهار.
لم تكن إيران تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد نزاع حدودي عابر، بل رأت فيها مشروعا أوسع يستهدف الثورة الجديدة ومحاولة لإسقاطها أو تطويقها قبل أن تتمكن من تثبيت أقدامها. ومع اتساع الحرب، بدأت الصورة تتضح أكثر بالنسبة للقيادة الإيرانية: المعسكر الذي وقف خلف بغداد لم يكن يريد مجرد تسوية حدودية، بل كان يرى في الحرب فرصة لضرب الثورة الإسلامية وإجبارها على التراجع.
عندها تحولت المواجهة في الوعي الإيراني من مجرد حرب مفروضة إلى معركة دفاع عن الثورة والبلاد، وأعلنت إيران التعبئة والجهاد المقدس في مواجهة العدوان.
وهكذا، فإن الصبر الذي ظنه صدام ضعفا تحول إلى قدرة على الصمود، والضربة التي أرادها النظام العراقي خاطفة تحولت إلى حرب استمرت ثماني سنوات، استنزفت العراق وإيران، وأحرقت موارد المنطقة، وألحقت دمارا هائلا بالبنى التحتية والاقتصاد والمجتمعات.
والأكثر إثارة في هذه الحرب أن الذي بدأها وهو يعتقد أنه قادر على فرض شروطه بالقوة، انتهى به الأمر بعد سنوات إلى البحث عن مخرج منها.
فقد حاول النظام العراقي في مراحل مختلفة إنهاء الحرب، لكنه لم يعد يمتلك القدرة التي كان يتصورها في بدايتها على فرض شروطه. ومع استمرار الاستنزاف وتراكم الخسائر، أصبحت الحرب عبئا ثقيلا على الاقتصاد العراقي والدولة والمجتمع، وتحولت القادسية التي أرادها صدام عنوانا للنصر إلى مستنقع استنزاف طويل.
ثم جاءت المفارقة الكبرى: النظام الذي ألغى اتفاق الجزائر قبل الحرب، وجعل من إلغائه أحد رموز خطابه السياسي، اضطر في نهاية المطاف إلى العودة إلى الأساس الذي كان قد ألغاه، والقبول بمرجعية الاتفاق وتنفيذ شروط وقف الحرب وفق قرارات الأمم المتحدة.
ثماني سنوات كانت كافية لكي تثبت أن الحرب أسهل بكثير من إنهائها، وأن قرار إشعالها قد يكون بيد الحاكم، لكن نتائجها لا تبقى تحت سيطرته.
لقد كان الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن صبر الخصم يعني ضعفه، وأن تجنب الحرب يعني العجز عن خوضها. فإيران التي حاولت في البداية تجنب الحرب، عندما فُرضت عليها، استطاعت أن تحولها إلى معركة بقاء، وأن تمنع بغداد من تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها.
وفي ذكرى تلك الأيام، لا تستحضر الحرب بوصفها مناسبة للاحتفال، بل بوصفها درسا قاسيا في نتائج الغرور السياسي والعسكري.
فالطاغية الذي ظن أنه يستطيع أن يفرض التاريخ بقوة الدبابات، انتهى به التاريخ نفسه إلى التراجع عن كثير مما بدأ به.
وهكذا تبقى الحقيقة الأهم:
من يخطئ في قراءة صبر خصمه، قد يربح بداية المعركة، لكنه قد يخسر الحرب كلها.
ومن يفتح باب الحرب معتقدا أنه يعرف كيف تبدأ، لا يعني بالضرورة أنه يعرف كيف ستنتهي.


