عاشوراء اليهود

عاشوراء اليهود
يُحلّل الخلاف حول عاشوراء عبر تفكيك روايات الصوم، مبيّنًا أن صوم اليهود يقع في العاشر من تشري لا المحرم، وأن توقيت الهجرة وافق يوم الغفران. ويستنتج اضطراب الأحاديث وتاريخية نقل التسمية، وربط الأمويين للصوم بتغطية مقتل الحسين في عاشر المحرم....

كلما حل شهر المحرم ولا سيما يوم العاشر منه تصاعد الجدل بين فرق المسلمين حول الموقف من عاشوراء اذ ترى مذاهب السنة فيه  استحباب الصوم والبعض منهم يذهب إلى استحباب الاحتفال به واعتباره يوم فرح وسرور وإحيائه بالبهجة والتوسعة على العيال ، بينما يعده الشيعة يوم حزن وبكاء لما حل فيه من انتهاك حرمة سيد المرسلين واهل بيته صلوات الله عليهم بقتل الامام الحسين واخوته واصحابه وسبي نسائه.

ومستند القائلين باستحباب الصوم والاحتفال بضعة روايات تبين توقيت هذا التشريع المزعوم ومناسبته :

الاولى :  ما ذكرت انه صوم معروف من ايام الجاهلية وهذا الرأي منقول عن عائشة في عدة أخبار كما في البخاري  :

(( حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ )) ( البخاري باب صيام يوم عاشوراء رقم الحديث 2002  , صحيح مسلم : كتاب الصوم ، باب صوم يوم عاشوراء رقم الحديث 1125)

وهذه الرواية تنقل عن عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصومه جريا على سنة الجاهلية و صامه بعد هجرته حتى فرض صوم شهر رمضان.

الثانية : انه صوم اليهود وقد تعرف عليه المسلمون بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة حيث عند وصوله وجد انهم يصومون يوم عاشوراء ( لا تحدد الروايات اسم الشهر فقط اسم اليوم ) واليك نموذج من الروايات التي تدل على هذا المعنى كما في صحيحي البخاري ومسلم النيسابوري :

((حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث: حدثنا أيوب: حدثنا عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: (ما هذا). قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله نبي إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: (فأنا أحق بموسى منكم). فصامه وأمر بصيامه)) (البخاري باب صيام يوم عاشوراء رقم الحديث 1900 ،مسلم في الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، رقم: 1130 ).

وتدل هذه الرواية على ان اصل التشريع جاء تقليدا لليهود وان الأمر حصل عند قدوم النبي إلى المدينة يعني اول وصوله اليها مهاجراً من مكة وانه صلى الله عليه وآله لم يعرف سبب صومهم وسألهم عنه ثم شرع صيام هذا اليوم !  ويلاحظ ان مضمونه يخالف مضمون الرواية الاولى التي ذكرت ان النبي كان يصومه من قبل الهجرة.

ولنتوقف عند هذا الحديث لنحقق مضمونه ونطرح الأسئلة التالية:

هل يصوم اليهود يوم عاشوراء ؟

اذا كانوا يصومون عاشوراء فهل هو العاشر من المحرم أم يوم غيره خصوصا وان جميع الروايات لا تذكر الشهر وانما فقط اسم اليوم ؟

هل وافق وصول النبي (صلى الله عليه واله) الى المدينة المنورة مناسبة صوم اليهود ؟

وللإجابة عن هذه الاسئلة علينا أن نفهم طبيعة التقويم اليهودي العبري ، فالتقويم اليهودي تقويم مزدوج يقوم على أساس الشهور القمرية مثل التقويم الاسلامي الهجري ولكنه تقويم ثابت ضمن فصول السنة وليس متحركا مثل التوقيت الاسلامي لأن اليهود يضيفون كل ثلاث سنوات شهرا ليجبر فروقات التقويم القمري ويحقق الثبات الفصلي أسوة بالتقويم الشمسي أي انهم في نهاية كل ثلاث سنوات يضيفون الى السنة الثالثة شهرا فتصبح السنة 13 شهرا ، وتسمى السنة الكبيسة ، لأن الفرق بين السنتين القمرية والشمسية حوالي 11 يوم تقريبا فتجمع كل ثلاث سنوات لتصبح شهرا يضاف الى نهاية السنة الكبيسة. والسبب في اعتماد هذا التقويم من قبل أحبار اليهود في عام 399 ميلادية هو لمنع اختلاف الطوائف اليهودية في توقيت المناسبات الدينية لذلك ابتدعوا هذ النظام القائم على الحسابات بدلا من اثبات الشهر القمري بالرؤية فمنعوا الاختلاف في تحديد بدايات الشهور وثبتوها ضمن فصول محددة في السنة. ومن المعلوم ان القرآن الكريم رفض هذا النظام في قوله تعالى :

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ } (التوبة 36)

و يحتفل اليهود في الشهر الاول من السنة العبرية ( شهر تشري أو تشرين ) بعيد الغفران (الكيبور او الكفارة) وهو عيد التوبة على بني إسرائيل ويصادف النزول الثاني لموسى (عليه السلام) من الجبل حاملا الالواح ، ويبدأ الاحتفال به من اليوم الاول من شهر (تشري) ولغاية العاشر منه وفي ليلة العاشر تبدأ طقوس يوم الغفران ومنها الصيام والتوقف عن جميع الأعمال عدا الصلاة والدعاء والاستغفار ولذلك يسمى ( سبت الاسبات) وهو اعظم ايام السنة عندهم وينتهي بحلول المغرب من يوم العاشر ، فهذا هو عاشوراء اليهود وهو يوم الصوم المشار اليه في الروايات.

ويوافق شهر تشري موسم الخريف دوما ضمن شهري سبتمبر (أيلول) / اكتوبر (تشرين)  لكون مناسباتهم ثابتة ضمن نفس الفصل من السنة مع فرق بسيط في الايام بالتقويم الشمسي بين سنة عبرية واخرى يجبر لاحقا كما قلنا.

وبالعودة إلى توقيت الهجرة النبوية نجد اتفاق كلمة المؤرخين وكتاب السير على انها تمت في بداية شهر ربيع الاول اذ انطلق النبي (صلى الله عليه واله) في هجرته الى المدينة يوم الاول من ربيع الاول ( او نهاية شهر صفر في بعض الروايات)  ووصل قباء على مشارفها  يوم الثامن أو السابع منه وبقي ينتظر قدوم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالفواطم حتى يوم العاشر وقيل  الثاني عشر  من ربيع الاول (وهو الرأي الاشهر) حيث دخلا معا الى المدينة , والذي يصادف بحسب الحسابات الفلكية يوم الجمعة 27 من شهر سبتمبر سنة 622 ميلادية وهذا يوافق ما ورد في كتب المسلمين من الشيعة والسنة أن النبي دخل المدينة المنورة يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الاول ، وهذا التأريخ يصادف 10 تشري لسنة 4383 العبرية. وهو ما يوافق فعلا احتفال اليهود بيوم الغفران وصومه  !

ويظهر مما سبق اجابة الاسئلة الثلاثة اعلاه حيث ان عاشوراء اليهود المذكور في الروايات ليس هو العاشر من المحرم قطعا ويقينا وانما هو العاشر من شهر تشري اليهودي وليس له علاقة بشهر المحرم ، وصادف وصول النبي المدينة هذا اليوم فعلا.

وفي محاولة منهم لسد هذا التناقض والفرق الكبير بين ربيع الاول و المحرم  (البالغ عشرة أشهر) حاول جماعة من علماء السنّة ان يوفقوا بين العاشر من شهر تشري وعاشوراء المحرم ولكن محاولاتهم باءت بالفشل لانها تقتضي التناقض بين ما يزعمون وبين التاريخ الحقيقي لصيام اليهود الذي اعتبروه الاساس في تشريع استحباب صوم عاشوراء ومنها:  انهم برّروا ذلك بان شهر المحرم هو اول اشهر السنة الهجرية الاسلامية وهذا يوافق كون (تشري) اول اشهر السنة اليهودية فيكون العاشر من المحرم مماثلا للعاشر من تشري !

وهذا واضح الضعف لان ايام المناسبات تحدد بتواقيتها الحقيقية وليس الرمزية.

مضافا إلى ان شهر المحرم ليس اول شهور السنة الهجرية واقعا ، إذ ان جعل المحرم بداية السنة الهجرية حصل في ايام عمر على المشهور حيث تذكر بعض الروايات ان الامام علي (عليه السلام) هو الذي اقترح اعتماد هجرة النبي (صلى الله عليه واله) تقويما اسلاميا وان تبدأ بشهر ربيع الاول ولكن عمر حدد شهر المحرم  بدايةً السنة الهجرية بالرغم من ان هجرة النبي حصلت في الاول من ربيع الاول وذلك لأنه اراد ان تجتمع الأشهر الحرم في سنة واحدة حسب ما ذكروا !

فشهر المحرم بالحقيقة ليس هو اول شهور سنة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) فلا مورد للتشابه بين محرم وتشري من ناحية كونهما أول شهور السنتين العبرية والهجرية.

اما انتقال تسمية عاشوراء المشار اليه في الروايات السابقة بكونه يوم صوم اليهود في تشري إلى عاشر المحرم فهذا غير واضح تأريخيا ، ولكن رواية الحكم بن الاعرج عن ابن عباس تنص بصراحة على ان صيام عاشوراء هو في المحرم اذ روى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج ما يلي :

(( انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت : أخبرني عن يوم عاشوراء ، قال إذا رأيت هلال المحرم فأعدد وأصبح يوم التاسع صائما . قلت : أهكذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصومه؟ قال : نعم ))

ومضمون هذه الرواية يناقض مضمون رواية صوم اليهود لان عاشوراء هناك كان في ربيع الاول وهو يوم صوم اليهود ، وهنا يحدد ابن عباس عاشوراء بانه العاشر من المحرم كما هو المشهور والمتعارف اليوم، مضافا الى ان هذه الرواية لا تخلو من ضعف فابن الاعرج هذا توفي سنة 101 هجرية اي بعد وفاة ابن عباس بحوالي 32 سنة وهي مرحلة عرفت بكثرة الوضع والتحريف وهي الفترة التي تم التأكيد فيها على الربط بين عاشوراء اليهود وعاشوراء المحرم.

على انه من المقطوع به حصول تسمية العاشر من المحرم بعاشوراء كما ان من المقطوع به عدم توافقه مع عاشوراء اليهود في ايام رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) يقينا  ..

ويظهر لدينا هنا احتمالان :

الاول : ان التسمية انتقلت من عاشوراء اليهود إلى عاشوراء المحرم وشاعت فيه .

والثاني : العكس اي انها أطلقت على عاشوراء المحرم ثم استعملت في الروايات للتعبير عن يوم الغفران اليهودي الذي ربط بمحرم بالرغم انه لا علاقة له به (وهو الاحتمال الارجح والاصح).

ومما يدل على اضطراب دعوى تشريع النبي لاستحباب صيام عاشوراء ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي غطفان المري (( قال: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم))

ويظهر واضحا في الحديث ان توقيت إستشكال الصحابة على النبي كان (حين صام عاشوراء وأمر بصيامه)  ونزل النبي عند اشكالهم فقرر اضافة يوم التاسع او صيامه بدل  العاشر في السنة القادمة ولكنه لم يدركها !

فهذا الحديث ينص على ان ظروف التشريع وتعديله ليوم التاسع تمت في آخر سنة من حياة النبي وهو ما يناقض بكل وضوح الحديث الذي يشير الى ان النبي شرع صيامه في اول دخوله المدينة ، وهذا خرق لم يستطيعوا رقعه لأن بين دخول النبي المدينة ووفاته عشر سنوات ،  مضافا إلى أن متن الحديث مرفوض تماما عند من يؤمن بان محمدا رسول الله (صلى الله عليه واله) يعلّم الامة ولا تعلّمه وينبّهها ولا تنبّهه ولا يبني تشريعاته على اساس محاكاة ما عند الاديان الاخرى.

وهذا الاضطراب يرجح ان هذه الاحاديث تمت صناعتها لربط يوم الغفران اليهودي بعاشوراء المحرم في سياق عملية التغطية على الجريمة الاموية بقتل الامام الحسين (عليه السلام) في يوم العاشر من المحرم وما يدل على ذلك أن هذه الجريمة صادفت ايام احتفال اليهود بعيد الغفران ، اذ يصادف العاشر من المحرم سنة 61 هجرية بالتقويم الميلادي 10 اكتوبر (تشرين الاول) 680 ميلادية ، والموافق 10 تشري 4441 عبرية وهذا يفسر عملية الربط بين عاشوراء المحرم وعاشر تشري يوم الصوم اليهودي الذي استعارته الماكنة الدعائية الاموية وشرعته باعتباره عملأ اسلاميا مستحبا مرتبطا بعاشوراء المحرم عبر احاديث منسوبة الى الرسول (صلى الله عليه واله)  دون الالتفات الى التفاوت بين التقويمين العبري والهجري في زمن الرسول اذ كان الفرق بين عاشوراء المحرم وعاشر تشري يومها عشرة اشهر (بناء على رواية تشريع النبي صوم عاشوراء عند وصوله المدينة) الامر الذي يكشف عملية تلاعب تاريخي غسلت بها عقول الملايين من ابناء الامة الاسلامية على مدى اربعة عشر قرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *