مقدمة
تناول الدواء قديم قدم البشرية نفسها ، وهو من السلوكيات الحياتية التي تكاد تكون فطرية عند الانسان بل وعند الحيوان ايضا ، إذ وثقت العديد من الدراسات التي تعنى بسلوك الحيوان الكثير من الشواهد على استخدام الحيوانات مواد نباتية او معدنية غير ذات فائدة غذائية لغرض التداوي والتخلص من الطفيليات وتسهيل الولادة.
والحديث عن مفهوم الدواء والتداوي في فكر اهل البيت (عليهم السلام) يصب في محور الحديث عن العلاقة بين العقيدة الدينية والممارسة الطبية ، وهو جانب ذو تفاصيل متشعبة من الناحيتين التاريخية والعلمية إذ كثيرا ما تتباين الآراء بين اصحاب الملل المختلفة حول ممارسة طبية معينة بين مؤيد ومعارض ، وعلى سبيل المثال فقد ترى بعض الطوائف حرمة استخدام الدواء وتعده مخالفا للرضا والتسليم او منافيا للإيمان بالقدرة الالهية على شفاء العبد المريض الذي عليه ان ينتظر امر ربه بالشفاء انتظارا سلبيا تحت عنوان التسليم !
ولا ريب أن الممارسة الطبية اليوم والقائمة على مبدأ (الطب المعتمد على الادلة- Evidence-Based Medicine) قد نقضت الكثير من المباني الاعتقادية للممارسات الطبية في بعدها الديني والعقائدي لثبوت مخالفتها لمباديء الطب الاساسية وغاياته وهي منع الداء قبل وقوعه ومعالجته بعد وقوعه.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم مقارنة ثقافية وعلمية بين الفكر الدوائي عند أهل البيت (عليهم السلام) وبين ممارسات الطب الحديث، مسلّطة الضوء على نقاط الالتقاء والاختلاف.
أهمية الدواء والتداوي في احاديث العترة :
بالرغم من وجود مفهوم التسليم المطلق لله والتوكل عليه سبحانه في أحاديث اهل البيت (عليهم السلام) الا انهم اكدوا مرارا على اهمية التفريق بين التوكل والتواكل وبينوا أن التسليم لا ينافي العمل بالأسباب الطبيعية وهذا المعنى يتكرر في اكثر من حديث ومناسبة كما في الحديث النبوي المشهور(إعقلها وتوكل – ميزان الحكمة للريشهري ج 4 ص 3661) ، وفي هذا الحديث يؤكد الامام الصادق هذه القاعدة الوجودية الاساسية باعتبارها من الاسس العقلية التي يجب مراعاتها في التفكير والسلوك ولا تصح مخالفتها :
(( عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شئ سببا وجعل لكل سبب شرحا وجعل لكل شرح علما، وجعل لكل علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله …)) الكافي ج1 ص 183
وبناء على هذه القاعدة يؤسس أهل البيت ضرورة التداوي في حال المرض ويفندون شبهة التسليم بديلا عن الاخذ بالأسباب الطبيعية ، بل يعلموننا ان الاخذ بالأسباب هو سنة الله تعالى وهو الذي امر بها كما يتضح من الحديث السابق ، ويكون الاخذ بالتداوي ضرورة شرعية لا محيص عنها كما يبين الحديث التالي :
((الإمام الصادق عليه السلام): إن نبيا من الأنبياء مرض، فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني، فأوحى الله تعالى إليه: لا أشفيك حتى تتداوى، فإن الشفاء مني ..)) ميزان الحكمة للريشهري ج 2 ص 940
وفي هذا السياق لا يكون التداوي مجرد ممارسة علاجية بل ضرورة شرعية يحث عليها الشرع ويلزم المريض بها ، وهذا يطابق المعايير العلمية الحديثة التي تحث على وجوب التداوي في حال المرض و عدم الاكتفاء بالممارسات الطقوسية والعبادية بديلا عن الدواء.
فعن الامام ابي جعفر الباقر (ع): “.. إنَّ الله جعل في الدواء بركةً وشفاءً وخيرًا كثيرًا، وما على الرجل أنْ يتداوى، ولا بأس به ” (طب الأئمة (ع) -السيد عبد الله الشبر- ص 57)
وما ورد عنهم (عليهم السلام) من احاديث في مجال العلاج والوقاية لكثير من العلل (وخصوصا الدواء العشبي ) يكاد لا يحصى لكثرته.
التداوي في فكر أهل البيت (عليهم السلام)
ركزت العديد من الاحاديث الشريفة على التأصيل لفرضية علمية مازال الطب يثبت صحتها يوما بعد يوم تعد ميزة شمولية لمفهوم الدواء والعلاج ، الا وهي أن (لكل داء دواء) ، وتبدو هذه المقولة غير دقيقة علميا بمفهوم الطب المستند على الادلة ، إذ لا تزال الادلة العلمية قاصرة عن اثباتها تجريبيا ولا يزال السؤال الجوهري في الطب هو : هل سيأتي يوم تجد فيه البشرية دواء لكل داء بما في ذلك ما يعرف اليوم بالامراض المستعصية ككثير من انواع الأورام الخبيثة malignant diseases والامراض المناعية الذاتية Autoimmune disaeases ؟
ويجيب الائمة عن هذا السؤال بالإيجاب :
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): “أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: تداووا، فما أنزل اللهُ داءً إلا أنزل معه دواءً، إلا السام -يعني الموت- فإنَّه لا دواء له ( دعائم الإسلام -القاضي النعمان المغربي- ج 2 / ص 143.. وفي هذا المعنى اخبار كثيرة تعطي الامل والدافع للمريض والطبيب في أن الداء الذي لا يعرف علاجه اليوم قد يكتشف غدا ، ولا ريب ان هذه القضية تثبت يوما بعد يوم ففي كل يوم هناك تقدم طبي في مجال المعالجة وهناك دواء جديد يمنح الامل للكثير من المرضى الذين كانوا يظنون ان لا علاج ناجع لأمراضهم ، بل إن التفاؤل بين الاوساط العلمية بقرب الوصول الى علاج الامراض المستعصية اليوم اكثر مما مضى اذ تتجه التوقعات الطبية نحو مستقبل واعد في علاج العديد من الأمراض المستعصية، مدعومة بتقدم تقنيات مثل العلاج بالخلايا الجذعية، والعلاج الجيني، والذكاء الاصطناعي.
وعلى سبيل المثال ، يتوقع الدكتور إريك توبول – معهد سكريبس للأبحاث ما يلي :
“سيُحدث علم الجينوم والذكاء الاصطناعي تغييرًا جذريًا في تطوير الأدوية. بحلول عام ٢٠٣٠، قد يكون من الممكن علاج العديد من الأمراض الوراثية النادرة من خلال تصميم أدوية مُخصصة ومركبات مُتنبأ بها بالذكاء الاصطناعي.”
فيما ترى د. ماريا كاريلو عضو جمعية داء الزهايمر الأمريكية انها مؤمنة بأن التقدم في البحث العلمي يمكن أن يؤدي إلى علاجات فعالة لأمراض مثل الزهايمر، مؤكدة على ضرورة الاستمرار في دعم الأبحاث وتطوير العلاجات المبتكرة.
وفي ضوء هذه التوقعات التي اصبحت وجهة النظر الاكثر قبولا في المجامع العلمية الطبية يتراءى لنا البعد العابر للزمن لمقولة النبي الاعظم (صلى الله عليه واله) أعلاه.
ثقافة تناول الدواء :
تلقي العديد من الاحاديث الواردة عنهم عليهم السلام الضوء على قضايا سلوكية تتعلق بطريقة تعامل المريض مع الدواء الموصوف ، مبنية الاثار الجانبية لهذا الاستخدام وضرورة التنبه لها و من الأحاديث اللافتة في هذا السياق قول الإمام الرضا (عليه السلام) :
( ليس من دواء إلا وهو مفتاح داء، فدع الدواء ما احتملت بدنك الداء) – العيون، ابن بابويه، ج2
والحقيقة ان هذه الملاحظة الرضوية تعد من اساسيات الطب وعلم الادوية Pharmacology اليوم فليس كل عارض صحي مستوجب لوصف العلاج اذ ان الدواء مثلما يحمل الشفاء يحمل معه بعض الاختلالات الفسلجية التي قد يسببها والتي تعرف بالاعراض الجانبية side effects والتي يكون بعضها اخطر من الداء نفسه احيانا. ذلك ان الدواء مادة كيميائية غريبة Xenobiotic يتعامل معها الجسم تعاملا مختلفا عن تعامله مع الاغذية والمواد الضرورية للعمليات الحيوية داخل الجسم ، اذ يقوم بتحويله الى الكبد الذي يقوم بتكسير جزيئاته وتحويلها الى جزيئات اصغر يسهل التخلص منها عبر الجهاز الهضمي او البولي وهي عملية قد تطول الى ايام يكون الدواء خلالها قد تسبب بتغيير فعاليات حيوية عديدة داخل الجسم حيثما مر.
وكذلك يطرح الحديث الرضوي اعلاه حقيقة علمية تعد من مباديء الممارسة الطبية وهي الموازنة بين ضرر العلاج وفائدته Risk – Benefit Ratio والتي يحدد من خلالها الطبيب فائدة العلاج للحالة المرضية فيقرر استخدامه من عدمه.
ومن الواضح ان هذه الرؤية تنسجم مع الفلسفة الحديثة في ترشيد استعمال الأدوية لتقليل ظاهرة تعدد الأدوية polypharmacy ، والتي تؤدي لمضاعفات كبيرة لا سيما عند كبار السن.
ولكن هذا التحذير لا يعني الابتعاد عن الدواء او التخويف منه ، فقد يضطر الطبيب بناء على قاعدة موازنة المنفعة والضرر ان يستخدم العلاج رغم خطورته ، حيث ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يؤيد هذا الاستخدام ، منها ما رواه في طبِّ الأئمة بسنده عن يونس بن يعقوب قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشربُ الدواء وربَّما قتله وربما يسلم منه وما يسلم أكثر. قال: فقال: أنزل اللهُ الداء وأنزل الشفاء، وما خلق اللهُ داءً إلا جعل له دواء: فاشرب وسمِّ الله تعالى. ( طب الائمة ، السيد عبد الله شبر ص 57) ، وهنا يؤصل الامام الصادق شرعيا لقاعدة علاجية اقرها العلم الحديث وهي لزوم تناول الدواء للحالات المستوجبة بالرغم من احتمالية الاعراض الجانبية الشديدة ، فبعض علاجات الاورام والامراض المناعية تسبب تأثيرات جانبية جدية ولكنها لا تكون عائقا يحول دون استخدامها.
وختاما ..
لا نلحظ -في حدود ما استعرضناه- نقاط اختلاف جوهرية فيما ورد عن اهل البيت عليهم السلام عما تسالم عليه الطب اليوم من ناحية استخدام الدواء والمسائل المتعلقة به ما يؤكد وحدة المعرفة الشرعية والعلمية المادية لانهما ينبعان من سراج واحد وهو الحقيقة الشاملة التي امسك ائمة اهل البيت صلوات الله عليهم بجميع اطرافها.

