١- الفروق الفردية
عند الحديث عن الفارق بين السياسي في إيران ونظيره في العراق، لا يكفي الاكتفاء بتحليل بنية الدولة أو طبيعة النظام، بل لا بد من التوقف عند الفروق الفردية التي تشكل جوهر الشخصية السياسية نفسها: الثقافة، الخبرة، التأهيل الأكاديمي، ثم النزاهة والزهد في السلطة.
في التجربة الإيرانية، يبرز السياسي غالبًا بوصفه نتاج مسار طويل من التكوين الفكري والتنظيمي. كثير من النخب السياسية هناك تمتلك خلفية أيديولوجية واضحة، وثقافة سياسية متماسكة، تشكلت عبر سنوات من العمل داخل مؤسسات حزبية أو ثورية. هذا التراكم لا يمنحهم فقط القدرة على الخطاب، بل يمنحهم فهمًا عميقًا لطبيعة الدولة والصراع وموقعهم ضمنه. الخبرة هنا ليست طارئة، بل تُبنى تدريجيًا داخل هياكل منظمة تفرض الانضباط وتكافئ الالتزام.
أما في العراق، فالصورة أكثر اضطرابًا. فعدد غير قليل من السياسيين صعدوا إلى المشهد في ظروف استثنائية، دون مسار تراكمي واضح في العمل السياسي أو الإداري. الثقافة السياسية لدى البعض محدودة أو مجتزأة، والخبرة في إدارة الدولة ضعيفة أو غير متجذرة. يتحول المنصب أحيانًا إلى تجربة أولى بدل أن يكون نتيجة لمسار طويل من التأهيل.
من ناحية التأهيل الأكاديمي، لا يمكن إنكار وجود كفاءات عراقية عالية، لكن الإشكال لا يكمن في الشهادات بقدر ما يكمن في توظيفها. في إيران، يُلاحظ أن التأهيل العلمي غالبًا ما يُدمج مع تجربة عملية وتنظيمية، فيتحول إلى أداة فاعلة في إدارة الدولة. أما في العراق، فكثيرًا ما تنفصل الشهادة عن الأداء، وتصبح مجرد لقب لا ينعكس على جودة القرار أو كفاءة الإدارة.
من جانب آخر علينا ايضا ان نلتفت إلى حقيقة وجود نسبة كبيرة من المحدودين ذهنيا ممن لا يمتلكون الخبرة والثقافة والرؤية الاستراتيجية يسيطرون على مفاصل مهمة في ادارة الدولة في العراق بدعم حزبي.
وتبقى مسألة النزاهة والزهد من أبرز نقاط المفارقة. فجزء من قوة السياسي الإيراني — بغض النظر عن تقييم تجربته — يتمثل في قدرته على إظهار قدر من الانضباط الشخصي، والتقشف النسبي، وربط موقعه السياسي بخدمة مشروع أكبر منه. هذا لا يعني غياب الفساد، لكنه يعني أن الثقافة العامة داخل النظام تميل إلى تقييد الإفراط الشخصي وربطه بمساءلة داخلية.
في المقابل، يعاني العراق من ترسيخ ثقافة مختلفة، حيث ارتبطت السلطة في أذهان كثيرين بالامتيازات لا بالمسؤوليات. ضعف المساءلة، وتضخم النفوذ الشخصي، وغياب الردع الحقيقي، كلها عوامل جعلت النزاهة استثناءً بدل أن تكون قاعدة، والزهد سلوكًا نادرًا بدل أن يكون قيمة مطلوبة.
وهي (في طبيعتها ) انعكاس لنمط التفكير الاجتماعي لكل من المجتمعين الإيراني والعراقي وطبيعة وسلوك الشخصيتين الإيرانية والعراقية حيث ترتبط السلطة في الذهنية المجتمعية العراقية بالقوة والنفوذ والإمرة والثروة المالية والبشرية ( كما يظهر ذلك جليا في نموذج شيخ العشيرة ) وهو النموذج الأكثر تأثيرا في ذهنية الفرد العراقي وهي عناصر لا علاقة لها بنموذج رجل الدولة المخلص الخادم لمجتمعه والحريص على المال العام
هذه الفروق الفردية لا تنفصل عن نتائجها. فقد استطاع الإيراني، عبر هذا التراكم في الثقافة والخبرة والانضباط، أن يساهم في بناء دولة تمتلك مؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية، وقدرة على الاستمرار رغم الضغوط. في حين تعثر العراقي، ليس بسبب نقص الموارد أو العقول، بل بسبب غياب التكوين السياسي الحقيقي، وضعف الانضباط، وتغليب المصالح الضيقة على المشروع الوطني.
إن نجاح الإيراني في بناء الدولة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من الإعداد الفكري والتنظيمي، ومن فرض قواعد داخلية تحكم السلوك السياسي. أما فشل التجربة العراقية، فهو نتاج تراكمات من الفوضى، وغياب المعايير، وتقديم الولاءات على الكفاءة.
وفي المحصلة، لا يمكن إصلاح الواقع العراقي دون إعادة بناء الإنسان السياسي نفسه: ثقافةً، وخبرةً، وسلوكًا. او استبداله بمن يمتلك هذه المؤهلات
فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل برجال يمتلكون من الوعي والانضباط ما يجعلهم يضعون الدولة فوق مصالحهم لا العكس
بين تجار السلطة ورجال الدولة..
٢- الاطار البنيوي
بعد أن تناولنا في الحلقة الأولى الفروق الفردية بين السياسي العراقي ونظيره الإيراني من حيث الثقافة والخبرة والمؤهل الأكاديمي، يصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى أعلى يتجاوز الفرد إلى البيئة التي تُنتج هذا الفرد وتُشكّل سلوكه السياسي. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يختلف السياسيان؟ بل: ما الذي يصنع هذا الاختلاف؟
إنّ الفارق الجوهري لا يكمن في النوايا وحدها، بل في منظومة كاملة من العوامل البنيوية والمؤسسية التي تسهم في تشكيل السياسي وتحدد مساره، بين من يتعامل مع السلطة كغنيمة، ومن يراها أداة لبناء الدولة.
أولاً: طبيعة النظام السياسي و السلطة
في إيران، السلطة ليست مفتوحة بلا ضوابط، بل تخضع لبنية هرمية صارمة (تتمتع بوحدة مصدر القرار) ، تتداخل فيها المؤسسات السياسية مع المرجعيات الفكرية والدينية . هذا الإطار يفرض على السياسي أن يتحرك ضمن حدود واضحة، حيث لا يمكنه أن يتجاوز الخطوط الحمراء بسهولة، وإلا أُقصي أو حُجّم.
أما في العراق، فالنظام السياسي بعد 2003 تأسس على مبدأ المحاصصة، الذي حوّل الدولة إلى مجموعة حصص بين قوى متنافسة تشترك في القرار ولا يجمعها مشروع موحد. وهنا يتحول السياسي إلى ممثل لمكون أو حزب، لا إلى رجل دولة.
ثانياً: مفهوم السلطة (خدمة أم غنيمة)
السياسي الإيراني، بحكم البيئة التي نشأ فيها، يتعامل مع السلطة كتكليف مرتبط بمشروع أيديولوجي أو وطني، ما يعزز لديه فكرة الانضباط والعمل ضمن رؤية طويلة الأمد.
في المقابل، تشكّل لدى كثير من السياسيين العراقيين مفهوم مشوّه للسلطة، باعتبارها فرصة للثراء والنفوذ السريع. هذا التحول من “الخدمة” إلى “الاستحواذ” هو أحد أبرز أسباب فشل بناء الدولة.
وهذا قانون حاكم على سلوك السياسي العراقي -مهما تنصل عنه اصحاب السلطة علنا و-لا مفر منه في ظل طبيعة النظام المحاصصاتي القائم.
ثالثاً: دور المؤسسات الرقابية والانضباط الحزبي
في إيران، رغم وجود إشكالات، إلا أن هناك نوعاً من الرقابة الداخلية والانضباط الحزبي الصارم، ما يجعل السياسي محكوماً بمحاسبة مستمرة، سواء من داخل النظام أو من مؤسساته.
أما في العراق، فضعف المؤسسات الرقابية وتسييسها، إلى جانب غياب الانضباط داخل الأحزاب ، خلق بيئة تسمح بالفساد دون رادع حقيقي، حيث يصبح الولاء الحزبي غطاءً للحماية لا إطاراً للمساءلة.
ويصبح الحزب وسيلة لاكتساب السلطة لا صاحب مشروع لخدمة المجتمع والدولة !
رابعاً: المشروع الوطني مقابل المشاريع الجزئية
نجاح أي سياسي يرتبط بوجود مشروع واضح يعمل ضمنه. في إيران، هناك مشروع دولة – بغض النظر عن تقييمه – لكنه مشروع متماسك وممتد زمنياً، ما يمنح السياسي بوصلة واضحة.
في العراق، تغيب هذه البوصلة. فالمشاريع غالباً ما تكون قصيرة الأمد، مرتبطة بمصالح فئوية أو انتخابية، ما يجعل الأداء السياسي متذبذباً، وردّات الفعل تغلب على الفعل الاستراتيجي.
خامساً: الثقافة السياسية العامة
السياسي هو ابن بيئته. في إيران، هناك تراكم ثقافي وسياسي قائم على مفاهيم مثل “الدولة” و”المشروع” و”التضحية”، حتى وإن شابها التوظيف الأيديولوجي الأمر الذي يجمع الفرقاء السياسيين في ايران على هدف جامع وهو خدمة بلدهم لذلك تراهم يتكاتفون في اوقات الخطر
أما في العراق، فقد أدى تراكم الحروب والاحتلال والانقسامات إلى إضعاف الثقافة السياسية الجامعة وصناعة مشاريع متعددة في اطار الوطن الواحد ما خلق بيئة قلقة يسهل فيها صعود نماذج انتهازية على حساب الكفاءة والنزاهة.
سادسا : في ايران السياسي — سواء اختلفنا معه أو اتفقنا — يعمل ضمن منظومة دولة واضحة المعالم.
هناك مشروع، حتى لو كان أيديولوجيًا ، لكنه موجود ومحدد: حماية النظام، توسيع النفوذ، وتعزيز الاستقلال السياسي والاقتصادي. السياسي الإيراني غالبًا ما يتميز بثلاث نقاط:
- الانضباط الحزبي والمؤسساتي
- وضوح الهدف الاستراتيجي
- الاستعداد للتضحية بالمكاسب الشخصية لصالح بقاء النظام
بمعنى آخر: هو جزء من ماكينة، وليس لاعبًا منفردًا.
أما في العراق فالوضع مختلف جذريًا. السياسي العراقي في كثير من الحالات لا يعمل داخل “دولة”، بل داخل شبكة مصالح. المشهد يتسم بـ:
- تغليب الانتماء الطائفي أو الحزبي على المصلحة الوطنية
- ضعف المؤسسات مقابل قوة الأفراد
- غياب مشروع وطني جامع
- التركيز على المكاسب قصيرة الأمد (سلطة، مال، نفوذ)
النتيجة أن السياسي العراقي غالبًا ما يتحرك كـ“تاجر سلطة”، لا كـ“رجل دولة”.
اذن بماذا يتفوق السياسي الإيراني؟
التفوق ليس أخلاقيًا بالضرورة، بل وظيفي فهو :
1. يمتلك رؤية طويلة المدى
2. يعمل ضمن مؤسسات حقيقي
3.يجيد إدارة الصراع داخليًا وخارجيًا
4. يفهم أن بقاء الدولة أولًا، ثم الخلافات لاحقًا
بينما السياسي العراقي غالبًا:
– يتصرف بردود أفعال لا بخطط
– يفتقر إلى استراتيجية
– يضع بقاءه الشخصي قبل بقاء الدولة
و في المجمل :
المشكلة في العراق ليست مجرد أزمة أشخاص، بل أزمة نظام ومنظومة وقيم. فحين تكون البيئة مشجعة على الفساد، فإن حتى الجيدين قد ينحرفون أو يُقصون.
وفي المقابل، حين تكون البيئة منضبطة ومؤطرة بمشروع واضح، فإنها تدفع السياسي – حتى لو لم يكن مثالياً – إلى العمل ضمن حدود المصلحة العامة.

