أنها ليست المرة الأولى في مسيرة الأمة التي تتلبد فيها الغيوم السوداء منذرة بعواصف سياسية عاتية وعدوان عسكري غاشم على أكثر من منطقة في محيطنا القريب والبعيد لطالما مرت هذه الفترات المظلمة من عمر أمتنا سابقا وستبقى لاحقا طالما بقي الخير والشر وطالما بقي أناس أولي بأس شديد ثابتين على مواقفهم لراية الحق رافعين مدافعين بالدم والعرق والجهد والأرواح عن كل حبة تراب أغتصبت وعن كل طفل قتل بغير ذنب جوعا أو قنصا وعن النساء والعجائز اللواتي ذبحن بغير حق سوى أن قالوا ربنا الله ولا نعبد إلا إياه .
الثقة بالله هي خيارنا نثبت عليه ولا نبدل مهما غلت التضحيات ومهما كان العدو حاقدا ومتجبرا وهمجيا وبربريا فلا غالب إلا الله ونحن به مؤمنين ،تشهد أمتنا حالة من البلادة واللامبالاة تجاه قضايا الأمة وتجاه المجازر والإبادات التي ترتكب يوميا بأيادي صهيونية ودعم أميركي لا محدود فمن لؤلؤة المقاومة غزة عاصمة الكرامة والشهادة إلى سوريا الحبيبة فلبنان من جنوبه إلى شماله وصولا إلى اليمن وإيران وليأتي الإن دور قطر التي تحتضن قادة المقاومة ،فأين درع الخليج وأين الأمة العربية الواحدة و جامعتها وأين مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي وأين الأنسانية في كل بقاع الأرض .
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)لقد تجبر فرعون وتكبر كما يحدث اليوم من الصهاينة تجاه أمة محمد ولكن
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
لقد أراد فرعون قتل كل طفل من بني إسرائيل نتيجة حلم راوده بأنه سيبعث منهم رجلا يقيض له ملكه ويغلبه على أمره فكان له (فرعون)ما أراد وذبح أطفال بني إسرائيل ما عدا الطفل موسى الذي خبأته أمه في فرن مشتعل ليأمرها الله بعدها وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ ۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ.
وهنا يتجلى مكر الرحمن إذ يقول لأم موسى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)
وهنا قمة الإعجاز بأن يربي فرعون عدوه في قصره حتى إذا شب عن الطوق كان ما كان من بعثة موسى لفرعون وصولا إلى غرقه في محاولته اللحاق بموسى وقومه فالله عندما أراد إخراج بني إسرائيل من تحت عذاب فرعون وقومه لم ولن يعدم وسيلة وهي عليه هينة وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون .
لذلك أعزائي لا يجب علينا أن نقنت من رحمة الله بل الثبات على كلمة الحق مهما غلت التضحيات ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ( 139 )
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ( 140 )
وهنا من يدري ماذا يهيئ لنا الله من واسع نعمته بشرط الإيمان به وبرسله وملائكته وأن تكون أوامره هي النافذة والثبات عليها إبتغاء مرضاته وتلك الأيام نداولها بين الناس فالظلم والجور والشر الذي يمارسه كيان البغي من قتل وتدمير وتجويع لن يدوم فلا بد أن يكون هنالك إناس في مكان ما يتجهزون بطاعة الخالق ليكونوا طيور الأبابيل وليزودهم الخالق بحجارة من سجيل يذيقون بها أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء الإسلام سوء العذاب وليس ذلك على الله بكثير .
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)
صحيح وأنها قد تكون أهم تجربة للبشرية وهي سيرة الرسول الأعظم الذي قال ما أوذي نبي كما أوذيت (يقصد من قومه) وليس هو فقط بل فقراء وضعفاء المسلمين الذين آمنوا به وبرسالته فتعرضوا لأشد أنواع القتل والتنكيل والعذاب حتى أمروا بالهجرة إلى الحبشة وليهاجر بعدها الصادق الأمين من مكة التي أتخذ بها القرار بقتله فخرج يحمل رسالة ربه كما تحتضن الأم رضيعها خوفا عليه ومحبة ليؤسس مجتمع الإسلام في المدينة ولتكبر الدعوة وتتوسع وليعود بعدها بحوالي العقد من الزمن إلى مكة فاتحا على رأس جيش من عشرة آلاف من الصحابة وليهدم الأصنام التي عادته قريش وحاربته لأجلها وليقيم الإسلام في مكة ويرفع بها مؤذنه بلال الأذان لتصل ترددات صوته إلى أقاصي المعمورة ،الشاهد إخوتي أن المطلوب هو الثقة بالله والإبتعاد عن اليأس رغم الألم والوجع وضيق الدنيا على الأبرياء والمؤمنين فلا تعلم عزيزي القارىء متى يبدل الله من حال إلى حال فلا تقنطوا من رحمته وإنما النصر صبر ساعة .


