عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأشهر الأخيرة إلى استخدام شعار “الشرق الأوسط الجديد”، مقدّمًا إياه باعتباره رؤية استراتيجية لتغيير وجه المنطقة، لكن عند التدقيق في خطاباته وتحركات حكومته، يتضح أن هذا المشروع يقوم على ركيزتين أساسيتين: القوة العسكرية العنيفة والدبلوماسية الانتقائية القائمة على التطبيع.
العنف كأداة لإعادة التشكيل
منذ عام 2021، كرر نتنياهو عبارته الشهيرة: “نحن نغيّر وجه الشرق الأوسط”. ففي يونيو 2025، وبعد سلسلة ضربات ضد أهداف إيرانية في سوريا ولبنان وغزة، قال بوضوح: “نزيل أعداءنا واحدًا تلو الآخر”.
لكن الواقع الميداني يقدّم صورة مغايرة، وفق وزارة الصحة في غزة، أسفرت الحرب الإسرائيلية حتى مارس 2025 عن أكثر من 38 ألف قتيل و80 ألف جريح، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى تدمير أكثر من 70% من البنية التحتية في القطاع بحسب تقارير الأمم المتحدة.
بهذا المعنى، فإن “الشرق الأوسط الجديد” الذي يبشر به نتنياهو يولد من رحم القوة المفرطة والدمار، وليس من مشاريع التنمية أو المصالحة.
التطبيع والتحالفات الاقتصادية
بجانب العمليات العسكرية، يسعى نتنياهو إلى رسم ملامح جديدة عبر مسار التطبيع. ففي خطابه أمام الأمم المتحدة (سبتمبر 2024)، أكد أن “السلام مع السعودية سيصنع شرقًا أوسط جديدًا”، مشيرًا إلى خطط لممر اقتصادي يربط آسيا بأوروبا مرورًا بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل.
التجارب السابقة تعكس هذا التوجه، فبعد اتفاقات إبراهيم 2020، ارتفع حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات إلى 2.6 مليار دولار في 2023، مقارنة بأقل من 250 مليون دولار قبل التطبيع، هذه الأرقام تُظهر أن رؤية نتنياهو تركز على بناء شبكة اقتصادية إقليمية تُعزّز موقع إسرائيل، دون التطرق بجدية لملف الحقوق الفلسطينية.
التناقض الصارخ يظهر عند مقارنة الشعار الوقائع، حيث يتم التبشير بسلام وازدهار اقتصادي إقليمي من جهة، وتُسجّل الأرقام تصاعدًا في أعداد الضحايا الفلسطينيين وتفاقم الأزمات الإنسانية، إلى جانب غياب أي أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية من جهة أخرى.
هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فعلاً بناء شرق أوسط جديد يقوم على التحالفات الاقتصادية فقط، بينما تظل الجذور السياسية للنزاعات قائمة ومشتعلة؟
“الشرق الأوسط الجديد” وفق رؤية نتنياهو ليس مشروعًا للتعايش بقدر ما هو إعادة ترتيب للمنطقة على أسس تخدم الأمن الإسرائيلي أولًا. إنه مشروع مزدوج يقوم على فرض الأمر الواقع عسكريًا، وتكريسه عبر شبكة تحالفات اقتصادية ودبلوماسية.
لكن في النهاية، تبقى حقيقة واضحة: لا يمكن لأي شرق أوسط جديد أن يولد حقًا من تحت الركام، ما لم يُبنَ على العدالة وحقوق الشعوب قبل مصالح القوة.


