نُخبـــة ضــد النُخبـــة

نُخبـــة ضــد النُخبـــة
تؤدي النخبة الحقيقية دوراً محورياً في توجيه الرأي العام وحماية مصالح المجتمع من خلال نزاهتها واستقلالها عن المصالح الشخصية والأيديولوجيات الضيقة، بينما تروج الأنظمة السياسية لنخبة موازية تخدم مصالحها وتسعى لإقصاء النخب الأصيلة وقمع المعارضين، مما يُضعف بناء المجتمع المدني والدولة العادلة....

من أبرز معالم الحياة الديمقراطية والمدنية التي يؤَسسُ من خلالها مسار ثابت للدولة الحديثة؛ دولة المؤسسات والتشريعات المحايدة؛ والقرارات والإجراءات والمواقف المتجردة، أن يكون هناك “#نُخبة” من الناس، لهم مواصفات خاصة من أهمها، صناعة الرأي العام الذي يؤدي إلى حراسة مصالح الأمة، ورعاية شؤون العامة، ومن معايير هذه النُخبة أن لا تكون مدفوعة برؤى ايديولوجية ذات أحكام مسبقة، وأن لا تكون لها منافع شخصية منتزعة من نشاطها النُخبوي، بل تكون نُخبة منزوعة من الايديولوجيا التعميمية والنفعية الشخصية.

ومعنى النُخبة: (أفضل ما يُختارُ من الشيء) وهم كذلك (الصفوة المختارون بلا تصويت أو تعيين) وهم ضد (النَّخبة ، بفتح النون-  وتعني الجبناء) لأن (النُخبة هم الشجعان النزيهون) ولا نزاهة حقيقية بدون شجاعة حقيقية. أما إذا أُلحقت بالنُخبة مفردة (المثقفة) فتكون (#النُخبة_المثقفة) بمعنى أنها ستكون متمكنة، استناداً إلى أن الفعل (ثقف) يعني حذق، أي صار حاذقاً متمكناً، قوياً لا تهجم عليه اللوابس، وهنا تُصبح النُخبة المثقفة (جوهر الشيء) وضده (ألاراذل – الرعاع – السوقية – ألاوباش).

كتاب النُخبة والمجتمع

في كتابه (النُخبة والمجتمع) يؤكد (ت. ب بوتومور T.B Botomur): (إن دراسة النخبة عملية مثمرة من جهات مختلفة، فحجم النُخبة ونوع النُخبة وعلاقة كل منهما بالاخرى وبالفئات التي تُمسك بزمام السلطة السياسية، هي من بين أكثر الحقائق أهمية، والتي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار عند التمييز بين أنواع المجتمع المختلفة وفي مجال تعليل التغييرات في البنية الاجتماعية، وشخصية النُخبة فيما إذا كانت مقفلة أو منفتحة). وهو بهذا التعريف يسير بتحليل دور النُخبة مستنطقاً كلاً من (#موسكا Gaetano Mosca و #باريتو Vilfredo Pareto)، أما في مسايرته لـــ (#رايمون_آرون Raymond Aron) فيركز على دور “النُخبة الفكرية” التي لا يجب أن تكون في ركاب نظام القوة السياسية، بل في سياق الإنجاز والإبداع السياسي في نظام الدولة.

وعادة ما تقوم الحكومات والأحزاب السياسية بدفع (الأراذل والرعاع والسوقية والأوباش) ليكونوا بديلاً عن (النُخبة المثقفة) وتُسوقهم في وسائل إعلامها على أنهم (#نُخبة_موازية) وهم في الحقيقة لا يعدون كونهم (مرتزقة) ولذلك يُسمهيم كل من إطلع على وضعهم وفعلهم وطريقة تقاربهم مع قوى السلطة بــ”#النُخبة_الخُنثى” كأحد مظاهر [قاموس بؤس العقل الطائفي]، فهي نُخب تتكسب من الثرثرة الطائفية المُغيِبة للعقل والتفكير، وفي الوقت نفسه تحسب نفسها على الأوساط العلمية والاكاديمية والثقافية والأدبية، ومن المفروض أن ثرثرتهم الطائفية واستقالة عقولهم بهدف تكسبهم وتضخم منافعم، كافية لنزع سمة “النُخبوية” عنهم.

إن قاموس بؤس العقل الطائفي الذي تراكمت فيه المفردات التهجينية لم تقترن مفرداته فقط بالمغالطات السياسية ونوازعها الانعطافية السالبة للعقلانية في الواقع العراقي، بل ترتبط هذه المفردات بالسلوكيات الارتهانية التي هيمنت على الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية، وبمعنى أوضح: إن قوى السلطة عملت على ضرب النُخب ببعضها، ثم استقطبت من يتفق معها وأسبغت عليه العطايا، ثم رغّبت ورهّبت القسم الأخر من النُخب، فاستعصى بعضهم، فقررت أن تجعله عبرة لمن لا يعتبر، وسلطت عليه من لا يملك خُلقاً وعقلاً ليأخذ مكان الأصيل ويتصرف كأنه هو، ولأن الناس تتأثر بأصحاب الصوت الأعلى والحضور الأكثر فسيبدو عندهم أن “#النُخبة_الموازية” هي “النُخبة الحقيقية” نزولاً عند ظاهرة “حاكمية الصوت الأعلى”.  قيل في العقل؛ أنه مركز الفكر والحكم والفهم والمخيلة، وبه يكون التفكير عن طريق غير االحواس. ولكن الأهم من ذلك قولهم: العقل نقيض الجهل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل. وأقوى من ذلك قولهم: العقل بوصفه (المبادئ اليقينية) التي يلتقى عندها العقلاء جميعاً؛ وهي (مبــدأ الهـــوية – مبـــدأ عــدم التنــاقض – مبـــدأ العليــة) وأولئك الذين يمثلون النُخبة الموازية، وهم أيضاً نُخبة خُنثى، لا يتسلحون بهوية تمنحهم كينونتهم الخاصة وتؤطر أفعالهم، فهم متذبذبون بين عدة إنتماءات تُحقق لهم مصالحهم الضيقة، وفوق ذلك يفرض عليهم تذبذبهم أن يكونوا متناقضين في أقوالهم، فهم ينظرون إلى القضية الواحدة من زاوية مصالحهم الشخصية، ولذلك تكون مواقفهم متناقضة، وهذا النظر باطلٌ عقلاً ومذمومٌ واقعاً، وقد تم القبض عليهم متلبسين بجرائم التناقض والتعارض والتضاد في الأقوال والأفعال، وهم بعد كل ذلك لا يملكون أسباباً مقنعة لسوء أفعالهم وغريب سلوكياتهم، وبهدرهم لتحكيم العقل في أفعالهم ومواقفهم فهم يسيرون على غير هدى، وينشرون الجهل ويشيعون المبررات الواهية على أنها حجج كاملة، وبذلك يكونون [عقلاً فعالاً لعقلٍ منفعل] يفيضون جهلهم وتملقهم على العامة ويلبسونه أثواباً قشيبة يظنونها تُغطي عورات أفكارهم ومسالكهم. إن أخطر ما تُشيعه النُخبة الموازية هو التقرير الضمني في أفعالها بإنتاجها نمطاً تراكمياً موجهاً للنسيج الاجتماعي بقصد تدجينه واستقطابه، مفاده: بأن ما تفعله هذه الجماعة (#النُخبة_الموازية) هو الصح، وما  يخالفه من قناعات وآراء لا يعدو كونه مؤامرات ومخططات خارجية تستهدف تأريخ الأمة وهدم النسيج الاجتماعي وضرب الرموز الدينية وما يشابهها من التهم الجاهزة. لقد هيأت قوى السلطة الطريق ومهدته للنُخبة الموازية لشيطنة كل ما سواها، لقد سلحتها بكافة الأسلحة لوأد أي كيان ثقافي وطني متماسك منسجم لمواجهة الزيف والتضليل، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي المُمهد لخلق سلطة عليا فوق كل السلطات قامت قوى السلطة خلال السنوات الأخيرة بعدة إجراءات منها:

القيام بأكبر عملية تدجين للجماهير، رغم وجود دواعٍ كثيرة تُحرض الجماهير على الصراخ بأعلى صوت ضد الفساد والفشل والتدخلات الخارجية وغيرها من معوقات بناء الدولة الحديثة الخادمة لكل العراقيين.

القيام بأكبر عملية شراء للذمم، حتى صار الإعلام والمشهد الثقافي كله بيد قوى السلطة.

تكميم الأفواه بمتابعة زلات المعارضين ومحاولة قمعهم بأسلوب ظاهره قانوني وباطنه ترهيب محض، والقصد من رفع الدعاوى ضد المعارضين والناشطين والإعلاميين ليس لأنهم وقعوا في زلات تُدينهم، ولكن لإيقاف نشاطهم المعارض الذي يفضح قوى السلطة.

غلق أبواب المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بوجه النُخبة الحقيقية بقصد تغييبهم وتجميد نشاطاتهم، بل وصل الأمر إلى مخاطبة المراكز الثقافية ووسائل الإعلام الدولية لوضع ڤيتو على التعامل مع نُخبويين ومثقفين عراقيين لأنهم منبوذون من النظام الحاكم.

صياغة مقاربات إتهامية جاهزة لكل من يعارض قوى السلطة، بقصد إجبار النُخب المثقفة والمفكرة على صرف النظر “التغــليـــس” والسكوت عن بعض المواقف والأحداث والوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضرب المجتمع وتهدر ثرواته وتصنع واقعاً قمعياً ديكتاتورياً جديداً.

وكل ذلك يؤدي إلى شيطنة النُخبة وإخصاء المعارضة.

لقد سادت (اللقــلقــة اللفظـــوية) والمواقف الانفعالية في ظل محاولات تسييد نُخبة موازية على حساب العقول العلمية والاكاديمية والنُخبوية الحقيقية، فالصورة المُصدرة للعامة صورة نُخبة، ولكن عملها ليس للتوعية والتثقيف بل للدفاع عن الطبقة السياسية الحاكمة والمتنفذة، ومجاراة موجة المصالح الصاعدة المبنية على الديماغوجية التضليلية، وهذا ما يؤديه نخبوي اكاديمي موازي يرتبط برمز ديني أو مليشياوي يقلب الدنيا ولا يُقعدها على أتفه الأمور ويصدر البيانات ويعقد المؤتمرات، لكنه يتجاهل القضايا المصيرية والملفات الأكثر أهمية لأن إدلاءه برأيه فيها يُخَسره منافع ومكاسب حققها بالسكوت عنها، لقد أضحى هذا الفعل النفاقي سمة بارزة في العملية السياسية وأوساطها الإعلامية والثقافية، والأَولى بالنُخبوي عندما يكتشف أن الرمز الديني أو الاجتماعي أو المليشياوي الذي يرتبط به أو يركن إلى قناعاته يتناقض ويساوم على حساب المواقف الشرعية والوطنية يتركه ويتخلى عن التزاماته معه (يخـــرج مــن بيعتـــه) لأنه أصبح يأكل مع الفاسدين ويسير في ركاب المخادعين على طريقة (eat and tweet). فالعصمة للحق والطاعة للثابتين عليه فقط.

تمييز النُخبة الحقيقية عن النُخبة الموازية

ولتمييز النُخبة الحقيقية عن النُخبة الموازية يجب الالتفات إلى ما يلي:

النُخبوي_الحقيقي يُحَكّم العقل، والنُخبوي الموازي يلجأ إلى العاطفة، ويريد أن يسحب الأخرين دائماً إليها.

النُخبوي الحقيقي يطرح أراءه بموضوعية، والنُخبوي الموازي يستخدم التضليل والتشويش لتغييب الحقيقة.

النُخبوي الحقيقي معروفٌ بالنزاهة الشخصية والعملية، بينما يُعرفُ النُخبوي الموازي بالتملق الممول.

النُخبوي الحقيقي يدعو للتثقيف والتوعية، والنُخبوي الموازي يدعو للتعبئة بشتى الطرق والأساليب.

إن صناعة نُخبة موازية على يد طبقة سياسية فاسدة بقدر ضررها على الواقع الراهن، إلا أن النُخبة الحقيقية الوطنية الملتزمة بالثوابت الاجتماعية والمعايير العلمية والرؤى الثقافية بإمكانها أن تستثمر أخطاء النُخبة الموازية للتعريف بالمسار الطبيعي الذي يجب أن تسلكه #النُخب_المفكرة و #الجماهير_الواعية على حدٍ سواء للوصول إلى صناعة رأي عام وإرادة غالبة يساهمان في ولادة مجتمع مدني ودولة مؤسسات محايدة تخدم جميع العراقيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *