تُشكل قصيدة (ضمائر تقرأ موعدنا) للكاتبة نور الدليمي نصا شعريا غنيا بالمضامين والاشارات السردية التي تفتح آفاقا واسعة لقراءة نقدية تستهدف الاقتراب من دائرة السرد الكامنة في طياتها فالنص وإن جاء في قالب شعري إلا أنه يحمل في بنية الكلمات والصور ما يشي بوجود قصة تتجلى ملامحها عبر تفاصيل اللقاء الأول وما صاحبه من أحاسيس ومواقف.
تستهل الشاعرة نصها بوصف مكثف للقاء (كان أول لقاء يحتشد بالكلمات) وهذا الاستهلال يُلقي بظلاله على طبيعة العلاقة المتشكلة حيث تتجاوز الكلمات كونها مجرد وسيلة للتواصل لتصبح هي جوهر اللقاء وكيانَه يتجلى السرد هنا في حركة المرور عبر (الأزقة الضيقة) و(جميع الطرق) بما يوحي برحلة مشتركة وإن كانت تبدو عفوية إلا أنها تحمل في طياتها نوعا من المغامرة حيث (ارتكبت أقدامنا خطأ التجوال في طرقات المنتهى) ، هذه العبارة الأخيرة تحديدا تُشير إلى بُعد زمني ومكاني للسرد حيث يتجاوز اللقاء مجرد لحظة عابرة ليصبح حدثا ذا دلالة على مستوى المصير أو النهاية غير المتوقعة.
تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى وصف الأجواء المحيطة باللقاء (حرارة الإسفلت وأشعة الشمس الصاخبة التي أحرقت وجناتي وانتهكت حرمات اللذة الروحية) هذا الوصف الحسي يُضفي على السرد بُعداً واقعياً ويعزز من صورة اللقاء الذي لا يخلو من تحديات أو صعوبات فالحرارة هنا لا ترمز فقط إلى الجو الطبيعي بل قد ترمز أيضا إلى كثافة المشاعر أو ربما التوتر الخفي ومع ذلك يبقى (الحديث) هو المهيمن
(أخذنا الحديث ولم نشعر بضيق المكان وازدحامه بالمارين من حولنا) .
وهذا التركيز على الحديث يضع الكلمات في بؤرة السرد مرة أخرى مظهرا قدرتها على تجاوز الواقع المادي المحيط.
تتضح الملامح السردية بشكل أكبر في تكرار الفعل (كم مرة أعدنا المرور من نفس المكان) فهذا التكرار يُشير إلى مسار زمني وإلى تتابع أحداث وإن كانت تبدو متطابقة ظاهرياً إلا أنها تحمل في كل مرة أبعادا جديدة كما أن ذكر (قنينة ماء لم أتذوق طعمه) و(آيس كريم أذابته صهوة الكلمات) يُضيف تفاصيل حسية تُغني النسيج السردي بوصفها تفاصيل سردية صغيرة وتُعطي القارئ لمحات عن حالة الشخصية وتفاعلها مع اللحظة.
يصل السرد إلى ذروته مع الاشارة إلى (رواية … ربما ستكون ذات يوم … الولد العنيد … وحوريته) هذه الجملة هي بمثابة نقطة تحول تُخرج النص من مجرد قصيدة وصفية إلى نص يحمل في طياته نواة قصة متكاملة فالشاعرة هنا تُشير بوضوح إلى وجود حكاية مُنتظرة وتُسمي شخصياتها (الولد العنيد) و(حوريته) مما يُعزز من البعد السردي للنص ويجعل من القصيدة مقدمة أو افتتاحية لعمل سردي (قصصي ) محتمل.
تُختتم القصيدة بوصف الولد العنيد (لكن الولد العنيد كان خجولا والابتسامة لم تفارق ثغره رغم إنه ممتليء بالخيبات أرى في عينيه يأسا عبارات مبهمة) هذا الوصف_ بوصفة احد عناصر القصة _ يُضيف عمقا للشخصية ويكشف عن تناقضاتها فالخجل يقابله الامتلاء بالخيبات والابتسامة تُخفي يأسا هذا التوصيف يُعد جوهرا من جوهر السرد فهو يُقدم خلفية نفسية للشخصية ويُمهد لأحداث مستقبلية قد تكشف عن طبيعة تلك الخيبات أو ذلك اليأس.
قرار الشاعرة بعدم إزعاجه بسؤال ساذج يُعطي بُعدا إنسانيا للنص ويُظهر فهما للحظة وصمتها البليغ فالاجابة وإن لم تُقل صراحة قد وصلت عبر قراءة العيون والحالة العامة. (إن الحياة قسمت ظهره بالتجارب لكنه يتظاهر بالقوة). هذه الجملة الختامية تلخص مأساة الشخصية وتُشير إلى تاريخ من التجارب مما يُعزز من طبيعة السرد الخفي في القصيدة الذي لا يعتمد على الحبكة التقليدية بل على الايحاءات والتلميحات التي تُشكل في مجموعها قصة غير مرئية تنتظر أن تُروى بالكامل، قد تبدو القصة داخل النسيج الشعري قصة وصفية اكثر منها قصة تقليدية بداية وعقدة ونهاية ،لكن لايمنع ذلك ان الشاعرة استخدمت عناصر السرد عامة والقصة بصورة خاصة لتطرح تأملاتها عبر منفذ السرد
إن قصيدة نور الدليمي، بهذا المعنى ليست مجرد قصيدة وجدانية بل هي نص يتغلغل فيه السرد بعمق ويُقدم لنا ملامح حكاية، وشخصيات، وتفاصيل مكانية وزمانية، وإن كانت مجتزأة أو موحية. وهي بذلك تكون في منطقة متوسطة بين الشعر والسرد وذلك مايخلق جمالا ابداعيا..
اتمنى للشاعرة الموفقية وادعوها الى المزيد من الابداع
القصيدة
( ضمائر .. تقرأ موعدنا )
كان أوّلَ لقاءٍ
يحتشدُ بالكلمات، ربّما لم نشعر
كيف مررْنا عبر الأزقةِ الضيّقةِ
اختلسنا جميع الطرق ..
وارتكبت أقدامنا خطأ التجوال في طرقات المنتهى
دون أن نشعر اجتزنا حرارةَ اللقاءِ
بحرارةِ الإسفلتِ وأشعةِ الشمسِ
الصاخبة التي أحرقت وجناتي
وانتهكت حرمات اللذة الروحية
كنت أبحث عن نسماتٍ باردةٍ
رغم أن اللقاء تشوّهُهُ حبّاتُ الرّمل الحارقة
إلا أنه تشوبه بعض المغامرات
رغم سطوع الأشعة الشمسية الهابطة بجنونها
أخذنا الحديث ولم نشعر بضيقِ
المكان وازدحامه بالمارّين من حولنا
كنا نبتسمُ لهم ونحنُ نمرّ من بينهم
ربما أحيانا لا نراهم وهم مندهشون منّا
كم مرة أعدنا المرور من نفس المكان
وأنا أحمل قنينة ماءٍ لم أتذوق طعمه.. وآيس كريم
أذابتهُ صهوةُ الكلمات
كانت هناك رواية…
ربما ستكون ذات يوم ..
الولد العنيد .. وحوريّته
لكن الولد العنيد كان خجولا
والإبتسامة لم تفارق ثغره
رغم إنه ممتليء بالخيبات
أرى في عينيه يأساً
عباراتٍ مبهمةٍ ..
لم أحاول إزعاجه بسؤالٍ ساذج ربما يقتل لحظة الفرح
التي أراها تغمره .. فاحتفظت بالسؤال
وربما كان الجواب قد وصلني
إن الحياة قسمت ظهره بالتجارب
لكنه يتظاهر بالقوة ..

