قراءة من منظور السرد في قصيدة “علي فرحان افترض للنص عنواناً “تجاوزتُ الخمسين”

قراءة من منظور السرد في قصيدة "علي فرحان افترض للنص عنواناً "تجاوزتُ الخمسين"
يبدأ الشاعر قصيدته باعتراف زمني صريح: "تجاوزتُ الخمسين". هذا الافتتاح يضع القارئ مباشرة أمام صوت سردي يتأمل ذاته عبر مراحل عمرية مختلفة: "في الأربعين ، في الثلاثين ، في الثامنة من العمر ، وفي الرابعة". هذا التتابع الزمني ليس مجرد تعداد للأعوام، بل هو استدعاء لذاكرة ذاتية ترصد محاولات "فعل الحياة" التي باءت بـ"لم أنجح". هذا الفشل المتكرر، رغم مرور العقود...

تقدم قصيدة “تجاوزتُ الخمسين” لعلي فرحان، رغم كونها قصيدة نثر، بناءً سردياً محكماً يعتمد على صوت داخلي يكشف عن رحلة وجودية تتسم بالوعي والتأمل في الحياة والموت، الفشل والنجاح، الذات والآخر.

يتبنى النص صوتاً سردياً أحادياً (مونولوجياً) بضمير المتكلم (“أنا”)،  هذا الصوت يعكس تجربة ذاتية عميقة، حيث يتحول النص إلى بوح داخلي وتأمل في مسيرة حياة السارد. هذا البوح ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تحليل وتفسير لهذه الأحداث من منظور ذاتي متفرد. السارد هنا ليس مجرد راوٍ، بل هو شخصية تحاول فهم وجودها وإخفاقاتها ونجاحاتها

يبدأ الشاعر قصيدته باعتراف زمني صريح: “تجاوزتُ الخمسين”. هذا الافتتاح يضع القارئ مباشرة أمام صوت سردي يتأمل ذاته عبر مراحل عمرية مختلفة: “في الأربعين ، في الثلاثين ، في الثامنة من العمر ، وفي الرابعة”. هذا التتابع الزمني ليس مجرد تعداد للأعوام، بل هو استدعاء لذاكرة ذاتية ترصد محاولات “فعل الحياة” التي باءت بـ”لم أنجح”. هذا الفشل المتكرر، رغم مرور العقود، يخلق نوعًا من الحبكة السردية الداخلية، حبكة تقوم على الصراع بين الرغبة في الإنجاز وواقع الفشل المتواصل. سؤال “هل كنتُ احتاجُ معجزةً غير الرقم الزوجي في شهادة ميلادي؟” يمثل ذروة هذا التساؤل الوجودي، ويضع المتلقي في مواجهة مع يأس السارد، والذي يبحث عن تفسير لعدم نجاحه، حتى أن شهادة الميلاد تصبح دلالة على القدر الذي لا يطاق.

اما الفضاء الزماني والمكاني والنفسي في القصيدة.

القصيدة لا تحدد فضاءً مكانيًا بالمعنى التقليدي، بل هو فضاء نفسي داخلي. السارد يتنقل بين محطات عمرية، ولكنه يروي هذه المحطات من داخل ذاته، من فضاء الذاكرة والتأمل. “القبر كدنيا جديدة” يشي بفضاء آخر، فضاء ما بعد الحياة، يُنظر إليه بعين السارد الذي “ادخر دنانيره لأبنائي” و”لم يثلم رغيفًا”، مما يعكس زهدًا أو بساطة في العيش، وربما رغبة في الخلاص من عالم لم ينجح فيه. الفضاء الزمني، وإن كان خطيًا في ظاهره، إلا أنه ينكسر ويعود ليخلق فضاءً من اليأس المتراكم، حيث كل مرحلة عمرية تحمل نفس النتيجة.

الرموز السردية

تتخلل القصيدة رموز سردية تمنحها عمقًا. “خفيفًا كقصيدة نثر” يعكس هشاشة السارد في الحدث وعدم قدرته على إحداث تأثير صاخب (“أصابعي لا تعرفُ الدقَّ على الطبلِ وصوتي لا يسببُّ الهلع”). هذه الصورة تعمق وجهة النظر السردية، حيث السارد شخصية منزوية، غير مؤثرة بالمعنى الصوتي أو الحركي، ولكنه يحمل ثقلاً داخليًا.

أما الإشارة إلى طبيب الأسنان في المقطعين الأخيرين، فهي لافتة. “في الخمسين ولم أتعرف على طبيب الأسنان ،فهي تطحن الفستق والحشود الذاهلة. هذا التصوير لأسنان قوية تطحن الطعام والهموم (الحشود الذاهلة كانت من عظم أو خيبات)، يمثل تناقضًا استطاع السارد الشاعر توظيفه.

الأسنان هنا تتحول إلى رمز للقوة الخفية أو للصمود الجسدي في وجه الانهيار النفسي، أو ربما سخرية من قدرة الجسد على الاستمرار رغم الإخفاقات الروحية. ثم يعود ليذكر “النجاح في الرياضيات” و”دخول الجنة بالمصادفة” وإيصاد بابها على نفسه. هذا المقطع يمثل مفارقة سردية عميقة، فهو الوحيد الذي يذكر فيه النجاح، ولكن هذا النجاح جاء “بالمصادفة” وعقبه انعزال، وكأن السارد لم يجد راحته حتى في “الجنة”.

النداء والتحول السردي

الجزء الأخير من القصيدة يشهد تحولًا سرديًا حادًا مع تكرار الأمر “اخرجْ”. هذا النداء، الذي يمكن أن يكون صوتًا داخليًا أو خارجيًا (من قوى عليا أو من المجتمع)، يدفع السارد إلى تجاوز حالته. الطلب منه أن يخرج “كلؤلؤة ، كبرقٍ ،كطعمِ الحليبِ” هو دعوة للتجلي والتأثير، دعوة للتخلص من ثقل الفشل المتراكم. “اللهُ ينتظركُ في المسرحيةِ ،أنتَ البطلُ إذا شئتَ” يضيف بعدًا ميتافيزيقيًا للقصيدة، حيث الحياة تُصوَّر كـمسرحية والسارد مدعو للعب دور البطولة. هذه الصورة تخلق نوعًا من الرؤية الكلية للسرد بحيث يكون السارد الشاعر كلي العلم، فالقصيدة تتحدث عن واقعها كعمل درامي يمكن للسارد أن يغير مساره.

القصيدة تختتم بالدعوة للخروج “كمعجزةٍ ، كموسيقى” أو “بقليلٍ من الدم يسيلُ من فكرتكَ”، ثم بالخروج “رمادًا” أو “حشوة ذهبية” تُضحك طبيب الأسنان. هذه النهاية المتعددة الاحتمالات تترك القارئ أمام خيارات مصيرية مفتوحة، فهل سيكون الخروج خلاصًا ونجاحًا بعد الفشل المتكرر، أم سيكون نوعًا من النهاية الساخرة التي تسلط الضوء على عبثية الوجود؟

باختصار، قصيدة علي فرحان تُوظف السرد الذاتي والزمني، وصراعًا داخليًا عميقًا، ورموزًا مكانية ونفسية، لترسم صورة مؤرقة لحياة لم تُفعل كما يجب، لكنها تترك بصيص أمل في تحول أو معجزة أخيرة، أو على الأقل، بصيص سخرية من واقع الحال

تجاوزتُ الخمسين

فعلتُ الحياةَ  في الأربعين

في الثلاثين

في الثامنة من العمر

وفي الرابعة

ولم انجح

هل كنتُ احتاجُ معجزةً غير الرقم الزوجي في شهادة ميلادي ؟

خفيفاً كقصيدةِ نثر

أصابعي لا تعرفُ الدقَّ على الطبلِ

وصوتي لا يسببُّ الهلع

لقد ادخرتُ دنانيري لأبنائي

لم أثلم رغيفاً

وتعاملتُ مع القبر كدنيا جديدة

في الخمسين ولم اتعرف على طبيب الأسنان

فهي تطحنُ الفستقَ

والحشودَ الذاهلةَ ، كانتْ من عظمٍ او خيبات

كنتُ انجحُ في الرياضياتِ ايضاً

حدثَ هذا في كلِّ المرات

وبالمصادفةِ

دخلتُ الجنّةَ

وأوصدتُ بابها على نفسي ،

نادوا عليَّ ….

اخرجْ كلؤلؤة

كبرقٍ

كطعمِ الحليبِ

أخرجْ

رابطَ الجأشِ

اللهُ ينتظركُ في المسرحيةِ

انتَ البطلُ إذا شئتَ

أخرجْ

كمعجزةٍ

كموسيقى اذا أحببتَ

بقليلٍ من الدم يسيلُ من فكرتكَ

أخرجْ

رماداً

او

حشوةً ذهبيةً

تجعلنا نضحكُ من طبيب الأسنانِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *