مكافحة غسل الأموال في إجازة مفتوحة.. ورؤوس الأموال تلعب وحدها إصلاح القطاع المصرفي العراقي بين ضغوط الإصلاح وغياب صناعة مصرفية حقيقية
المشهد الراهن
لم يتبقَّ سوى أسبوعين أمام المصارف الأهلية في العراق للالتزام بخارطة الإصلاح الموضوعة من قبل شركة أوليفر وايمان الأميركية، وهي الخطة التي تحاول فرض معايير عالمية أكثر صرامة على النظام المصرفي العراقي. وفي ظل هذا الإطار، يجد البنك المركزي العراقي نفسه محرجاً أمام معادلة معقدة:
إما دفع المصارف إلى زيادة رؤوس أموالها ودمج العاجزة منها.
أو المضي نحو التصفية والإغلاق، وهو ما قد يفتح الباب لتدخل مباشر من الفيدرالي الأميركي بحجة حماية المعايير المصرفية. هذا السيناريو يُهدد استقلالية القرار المالي العراقي ويضع سمعة النظام المصرفي في دائرة الشك، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن وجود أطراف مستفيدة من الوضع الحالي تعرقل الإصلاحات من وراء الكواليس.
السيناريوهات المحتملة
1.سيناريو الدمج وزيادة رؤوس الأموال
تقوم المصارف الكبرى بامتصاص المصارف الصغيرة أو المتعثرة. يتطلب الأمر تدفقات مالية جديدة من المستثمرين المحليين أو الشركاء الإقليميين. هذا السيناريو يعزز من استقرار القطاع لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية وتشريعات داعمة.
2.سيناريو التصفية القسرية
إغلاق المصارف غير الملتزمة ورفع تقارير مباشرة إلى واشنطن. يؤدي إلى انكماش في حجم السوق المصرفي المحلي، وزيادة البطالة بين الكوادر. يفتح الباب لعودة الرقابة الأميركية المباشرة، وهو ما يضر بصورة العراق السيادية.
3.سيناريو التأجيل والمماطلة
وهو ما يُلمّح إليه كثير من المراقبين بسبب نفوذ أصحاب المصالح. واستمرار الوضع الراهن مع “حركة شكلية” للإصلاح دون نتائج ملموسة.هذا السيناريو يفاقم فقدان الثقة الشعبية والمجتمعية بالقطاع المصرفي ويعزز اقتصاد الظل.
موقف البنك المركزي العراقي
البنك المركزي يواجه مأزقاً مزدوجاً:
- فمن جهة يريد أن يُظهر التزامه بالمعايير الدولية لتجنب أي عقوبات أو وصاية خارجية.
- ومن جهة أخرى يعجز عن فرض سيطرته على مصادر تمويل المصارف وطبيعة رؤوس أموالها، بسبب غياب أدوات رقابية حقيقية وضعف التشريعات التنفيذية.
إضافة إلى ذلك، أخفاق المركزي في بناء صناعة مصرفية وطنية متكاملة، إذ ظلّ النظام المصرفي مجرد وسيط مالي يعتمد على نافذة العملة وعمليات الصيرفة، من دون أن يتطور إلى نظام يقدم خدمات استثمارية وتمويلية حقيقية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد.
غياب دور مكتب مكافحة غسل الأموال
من أبرز نقاط الضعف في هذا الملف هو الدور الشبه الغائب لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ لم يقم حتى الآن بعملية تدقيق شاملة لرؤوس الأموال الداخلة إلى المصارف الأهلية أو الكشف عن مصادر التمويل.
- هذا الغياب يفتح الباب أمام تساؤلات جدية عن مشروعية بعض رؤوس الأموال.
- كما يمنح القوى المتنفذة هامشاً واسعاً لاستمرار نفوذها على حساب الشفافية والمصداقية.
التداعيات على الاقتصاد العراقي
- فقدان الثقة الشعبية: المواطن العراقي لا يزال يرى المصارف كـ”خزانات دولار” مرتبطة بنافذة العملة، لا كأدوات تمويل تنموية.
- تعطيل الاستثمارات: غياب بنوك استثمارية حقيقية يمنع خلق دورة اقتصادية إنتاجية.
- زيادة الضغوط الدولية: أي إخفاق في الإصلاح سيبرر تشديد الرقابة الأميركية والأوروبية، ويضع العراق في خانة الدول عالية المخاطر مالياً.
القطاع المصرفي العراقي يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن يتمكن البنك المركزي من فرض إصلاحاته بشكل جاد وبناء صناعة مصرفية وطنية حديثة، أو أن يبقى أسير نفوذ رأس المال غير المراقب، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى إعادة الوصاية الأجنبية على النظام المالي العراقي.
المطلوب اليوم ليس فقط رفع رؤوس الأموال أو دمج المصارف، بل تفعيل مكتب مكافحة غسل الأموال وتبني رؤية استراتيجية تحوّل المصارف العراقية من “مكاتب تحويل” إلى مؤسسات مالية استثمارية حقيقية تخدم الاقتصاد الوطني.


