مقدمة:
في أقصى الجنوب العراقي، تستلقي البصرة على عرش الثروات، تملك ما لا تملكه دول الخليج مجتمعة: نفط وغاز وميناء وبحر ونخل وماء. ومع ذلك، فإن أهلها يقتاتون على الفقر، ويتنفسون التهميش، ويُقصَون من ثروتهم كما يُقصى الغريب غير المرغوب فيه.
في البصرة تُهدم منازل الفقراء بلا رحمة، وتُستورد العمالة الأجنبية لتعمل في منشآت النفط التي تحت أقدامهم، ويُدفع للأجنبي أضعاف ما يُحرم منه ابن الأرض. كيف تحوّلت مدينة الذهب الأسود إلى تابوت خشبي يضيق بأحلام أبنائها؟ ومن المسؤول عن هذا الخراب المتعمد؟ وهل المطلوب تهجير البصريين وتغيير ديموغرافية مدينتهم؟
أولًا: مظاهر الظلم الصارخ
1.تهديم مساكن البسطاء:
في مناطق مثل حي الحسين، والمعقل، والكرمة، وشط العرب، شُرّدت آلاف من العوائل بدعوى “التجاوز“، وكأن البصري اختار التشرد عن رغبة، لا عن حاجة. تتم الإزالات بلا تخطيط، ولا تعويض، ولا بديل، وكأن البصرة وناسها فائض لا لزوم له.
2.إقصاء العمالة المحلية:
رغم وجود أكثر من 800 ألف عاطل في البصرة، إلا أن الشركات الأجنبية المتغلغلة في القطاع النفطي تُفضل العمالة الأجنبية، وتمنحهم رواتب خيالية، وسكنًا، وامتيازات، بينما يُترك ابن البصرة ليبيع الماء، أو يقود دراجة حمل، أو ينتظر واسطة لا تأتي.
3.نقمة الثروة:
تُنتج البصرة أكثر من 70% من نفط العراق، ومع ذلك تُعدّ من أكثر المحافظات حرمانًا، حيث تنتشر السرطانات بسبب التلوث، وتنقطع الكهرباء في الصيف، وتُغلق المدارس بسبب الأمطار، وتُهدم أحلام الشباب في أول مفترق للفقر.
ثانيًا: الأسباب العميقة للكارثة
1.الفساد المحلي وتحالف المصالح:
الفساد المتجذّر في الإدارات المحلية شكّل طبقة سياسية منفصلة عن الناس، تحولت إلى سمسار للوظائف والعقود، وفتحت الأبواب للاستثمارات الأجنبية على حساب الكفاءات المحلية.
2.تغييب متعمد لأبناء البصرة:
هناك من يتعمد إقصاء البصريين عن إدارة ثرواتهم، عبر حرمانهم من التعليم النوعي، وخلق بيئة طاردة، مما يسهّل التحكم بثروات المحافظة بعيدًا عن أهلها. ويخشى البعض من أن يكون في ذلك تخطيط لتغيير ديموغرافي يُضعف صوتهم السياسي والاجتماعي.
3.هيمنة خارجية ورضوخ داخلي:
البصرة تحوّلت إلى حلبة صراع إقليمي ودولي، حيث تتقاطع فيها مصالح دولٍ لا تريد لها أن تنهض، مدعومة من أطراف داخلية ترتضي الربح السريع على حساب المصلحة الوطنية.
ثالثًا: بصرة ممكنة… ولكن معطلة
ليست البصرة قدرًا بائسًا، بل فرصة عظيمة ضائعة:
اقتصادها قادر على جعلها أغنى من قطر والكويت مجتمعتين.
موقعها الجغرافي يؤهلها لتكون عاصمة تجارية بحرية للعراق والمنطقة.
مواردها البشرية والعلمية (خريجو الجامعات والمعاهد) كافية لإدارة كل منشآت النفط دون حاجة لأجنبي.
تراثها الثقافي يمكن أن يجعلها مركز إشعاع عربي وعالمي.
لكن كل هذا مُعطّل، لأن هناك من يرى في نهوض البصرة خطرًا على امتيازاته، أو على خارطة النفوذ التي يريد أن يرسمها بغياب أبنائها.
رابعًا: من يعيق نهوض البصرة؟
1.المفسد المحلي:
ممن جعل المنصب طريقًا للثراء، والوظيفة وسيلة للابتزاز، وحقوق الناس سلعة للبيع.
2.السلطة المركزية:
التي تنظر إلى البصرة كمخزن للنفط، لا كمدينة تسكنها أرواح بشرية، تحتاج إلى عدالة في التوزيع، وتمكين في القرار.
3.النفوذ الإقليمي والدولي:
الذي يسعى لجعل البصرة ساحة نفوذ وشركات وتجارة على حساب استقلالها وثرواتها.
خاتمة:
البصرة اليوم لا تحتاج إلى الشفقة، بل إلى العدالة. لا تريد صدقات من نفطها، بل حقها المشروع. هي قادرة أن تصبح لؤلؤة الخليج لا شعارًا بل واقعًا، إن فُتح الباب أمام شبابها، وإن استُعيدت السيادة على قرارها، وإن كُسر طوق الفساد والتبعية.
صوت البصرة يجب أن يكون أعلى من الضجيج، وأقوى من المصالح. فإن سكتنا عن ظلمها اليوم، فقد نخسر العراق كله غدًا، لأن من يبيع البصرة اليوم، قد يبيع الوطن كله غدًا.


