المؤتمر الضريبي الأول في العراق إصلاحات على الورق وضرائب على الواقع

المؤتمر الضريبي الأول في العراق إصلاحات على الورق وضرائب على الواقع
المؤتمر الضريبي الأول في العراق طرح شعارات إصلاحية كبرى، غير أن غياب التشريعات الداعمة، ضعف البنية المؤسسية، وازدواجية السياسات الحكومية جعلت نتائجه محدودة، فيما بقيت الضرائب أداة جباية عاجلة بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية والاستثمار...

انعقد في بغداد “المؤتمر الضريبي الأول في العراق – لتنمية الاقتصاد وتنشيط بيئة الاستثمار” برعاية رئيس مجلس الوزراء وحضور وزاري ودبلوماسي رفيع المستوى. وقد حمل المؤتمر عناوين إصلاحية كبرى مثل: التقدير الذاتي، التدقيق اللاحق، قانون ضريبة الدخل الجديد، الاستراتيجية الضريبية الوطنية، التحول الرقمي، وتسهيل التحاسب الضريبي للقطاع النفطي وكبار المكلفين. لكن، وكما في مؤتمرات سابقة، يبرز السؤال الجوهري: ما مدى انعكاس هذه المخرجات على أرض الواقع؟ وهل ستتحول إلى سياسات عملية، أم ستظل مجرد شعارات احتفالية؟

مخرجات المؤتمرات بين الشعارات والتطبيق

من خلال متابعة المؤتمرات الاقتصادية والضريبية السابقة، يمكن ملاحظة أن معظمها يخرج ببيانات ختامية رنانة، لكنها تبقى أسيرة:

1.غياب التشريعات المساندة: مشاريع القوانين، مثل “قانون ضريبة الدخل الجديد”، لم تترجم بعد إلى قوانين نافذة.

2.ضعف البنية المؤسسية: غياب قاعدة بيانات دقيقة عن المكلفين، واعتماد طرق تقليدية في التحاسب، يحد من أي إصلاح حقيقي.

3.إشكالية الثقة: القطاع الخاص ما زال يعتبر أن الحكومة ترى فيه مصدر جباية أكثر من كونه شريكًا تنمويًا.

قراءة في كلمة رئيس مجلس الوزراء

في كلمته الافتتاحية، ركّز رئيس الوزراء على:

  • أهمية الإصلاح الضريبي كجزء من الإصلاح الاقتصادي العام.
  • تشجيع الاستثمار الأجنبي عبر بيئة ضريبية مستقرة وواضحة.
  • التحول الرقمي الشامل في الإدارة الضريبية والمالية.

لكن عند مقارنتها مع قرارات الحكومة الأخيرة تجاه القطاع الخاص، نلاحظ التناقض:

  • فرض رسوم وضرائب جديدة على الشركات الصغيرة والمتوسطة تحت عنوان “زيادة الإيرادات”.
  • استمرار التعقيدات الكمركية التي ترفع كلفة الاستيراد، وهو ما يتعارض مع وعود تبسيط الإجراءات.
  • غياب حوافز استثمارية حقيقية، فالشركات الأجنبية ما تزال تصطدم ببيروقراطية وضبابية في تطبيق القوانين.

بين الوعود والواقع

1.التحول الرقمي: رغم تكرار الحديث عنه، ما زالت أغلب الإجراءات الضريبية ورقية، مما يفتح الباب واسعًا للفساد والابتزاز.

2.العدالة الضريبية: كبار المكلفين في بعض القطاعات يتمتعون بإعفاءات وتسهيلات، بينما يتحمل أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة العبء الأكبر.

3.التناقض مع بيئة الاستثمار: في الوقت الذي يُطرح فيه خطاب داعم للقطاع الخاص، تستمر القرارات التي تقيد حركته وتزيد كلف التشغيل.

المؤتمر كان يمكن أن يشكل منعطفًا حقيقيًا لو خرج بمقررات تنفيذية ملزمة، مثل:

  • تحديد سقف زمني لتطبيق النظام الضريبي الإلكتروني الشامل.
  • إقرار آلية شفافة للتقدير الذاتي بإشراف جهات مستقلة.
  • إطلاق حوافز ضريبية للمستثمرين المحليين والأجانب، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب.
  • إشراك القطاع الخاص في صياغة القوانين الضريبية، لا مجرد الاستماع لرأيه كـ ”ضيف شرف”.

يمكن القول إن كلمة رئيس مجلس الوزراء في المؤتمر الضريبي الأول حملت مضامين إصلاحية، لكنها افتقدت الدقة والاتساق مع الواقع العملي، خاصة في ظل سياسات حكومية متناقضة تجاه القطاع الخاص.

ما لم تتحول هذه المؤتمرات من موسم استعراض سياسي إلى محطة قرار اقتصادي ملزم، فإن أثرها سيبقى محدودًا، وستظل الضرائب أداة جباية عاجلة، بينما يظل الإصلاح والاستثمار مجرد وعود مؤجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *