السبائك الذهبية وغسل الأموال هل آن الأوان لإعادة تقييم منظومة مكافحة غسل الأموال ومساءلة المسؤولين عن الإخفاق المؤسسي؟
إن إعلان السلطة القضائية، على لسان القاضي ضياء جعفر، عن ضبط (٤٠) سبيكة ذهبية بوزن كيلوغرام واحد لكل سبيكة، فضلاً عن مصوغات ذهبية يبلغ وزنها (٥) كيلوغرامات ضمن قضية عدنان الجميلي بالتزامن مع استمرار التحقيقات بحق شركات استخدمت وسائل غير قانونية لنقل الأموال إلى خارج العراق لا يمثل مجرد نجاح في العمل القضائي والتحقيقي بل يكشف عن تساؤلات جوهرية بشأن فعالية المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومدى قدرتها على اكتشاف الجرائم المالية قبل اكتمالها.
فالتحقيقات القضائية أثبتت وجود أموال تحولت إلى ذهب وشركات استُخدمت لإخراج الأموال خارج العراق بوسائل غير مشروعة وهو ما يثير تساؤلاً مشروعاً:
أين كانت منظومة الوقاية والاستخبارات المالية قبل وصول هذه الأموال إلى مرحلة غسلها وإخفاء مصادرها؟
ومن الناحية القانونية فإن شراء السبائك الذهبية بكميات كبيرة باستخدام أموال متحصلة من جرائم فساد أو من مصادر غير مشروعة يعد من أكثر الأساليب شيوعاً في غسل الأموال وفق المعايير الدولية لما يتمتع به الذهب من سهولة التخزين والنقل وإعادة البيع والتحويل إلى سيولة أو تهريبه عبر الحدود مع صعوبة تتبع حركته إذا لم تكن الرقابة على تجارة المعادن الثمينة فعالة.
وقد عالج قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب العراقي رقم (٣٩) لسنة ٢٠١٥ هذه المخاطر بصورة واضحة إذ لم يحصر الالتزامات بالمصارف والمؤسسات المالية وإنما شمل الأعمال والمهن غير المالية المحددة (DNFBPs) وفي مقدمتها تجار المعادن الثمينة والأحجار الكريمة الذين ألزمهم القانون بإجراءات العناية الواجبة والتحقق من هوية الزبون والمستفيد الحقيقي، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة والاحتفاظ بالسجلات، والتعاون مع مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وهنا يبرز السؤال القانوني الأهم:
كيف أمكن شراء عشرات الكيلوغرامات من الذهب دون أن تؤدي تلك العمليات إلى اكتشاف مبكر أو إجراءات وقائية فعالة؟
وهل التزم المتعاملون بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة؟
وهل جرى تحليل البلاغات -إن وجدت- في الوقت المناسب؟
وهل اتخذت التدابير القانونية لتجميد الأموال أو إحالة المعلومات إلى السلطات المختصة قبل اكتمال الجريمة؟
إن هذه التساؤلات لا تستهدف إدانة جهة بعينها لكنها تفرض مراجعة موضوعية لفعالية المنظومة الرقابية لأن وظيفة وحدة الاستخبارات المالية لا تبدأ بعد ضبط الجريمة بل قبل وقوعها.
والأخطر من ذلك هو استمرار اكتشاف شركات استخدمت كواجهات لنقل الأموال إلى خارج العراق بطرق غير مشروعة الأمر الذي يكشف عن وجود ثغرات في منظومة الرقابة على التحويلات المالية، والاعتمادات التجارية، والمستفيد الحقيقي والرقابة على الشركات رغم برامج الإصلاح المصرفي والتقني التي شهدها القطاع المالي خلال السنوات الماضية.
إن مكافحة غسل الأموال ليست مسؤولية المصارف وحدها بل هي منظومة متكاملة تضم مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والبنك المركزي العراقي ودائرة تسجيل الشركات والهيئة العامة للضرائب، والهيئة العامة للجمارك، وهيئة المنافذ الحدودية والأجهزة الأمنية، والادعاء العام، والسلطة القضائية.
وأي خلل في التنسيق أو التحليل أو تبادل المعلومات ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في اكتشاف الأموال غير المشروعة.
ومن منظور المعايير الدولية فإن مجموعة العمل المالي (FATF) لا تقيّم الدول على أساس وجود القوانين أو كثرة التعليمات أو الورش التدريبية، وإنما على أساس فعالية النظام الوطني في كشف غسل الأموال وتعقب العائدات الإجرامية ومصادرتها، ومنع استخدامها في الاقتصاد المشروع.
ولهذا فإن استمرار اكتشاف هذه الشبكات عبر التحقيقات القضائية بعد اكتمال دورة غسل الأموال بدلاً من اكتشافها بواسطة منظومة الاستخبارات المالية في مراحلها الأولى يمثل مؤشراً يستوجب مراجعة مؤسسية شاملة لأداء الجهات المعنية، وتحديد مواطن الخلل الفني والإداري والتنظيمي.
كما أن أي تراجع في تقييم العراق لدى المنظمات المالية الدولية والإقليمية أو في مؤشرات الامتثال والفعالية لا يمثل مجرد مسألة فنية بل ينعكس على سمعة النظام المالي وثقة المصارف المراسلة وجاذبية الاستثمار وكلفة التعاملات المالية العابرة للحدود.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من ردود الأفعال إلى المساءلة المؤسسية وذلك من خلال تشكيل لجنة وطنية مستقلة لإعادة تقييم أداء منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق معايير الكفاءة والفعالية الدولية ومراجعة آليات عمل مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتقييم مستوى الأداء الإداري والفني ومدى كفاءة أنظمة التحليل المالي وآليات الرقابة على القطاعات غير المالية ومدى فاعلية التنسيق بين الجهات المختصة.
كما ينبغي تحديد أوجه القصور المؤسسي واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته وفق القانون وبعد استكمال إجراءات التحقيق والرقابة المختصة بما يحقق مبدأ المساءلة المرتبطة بالأداء والنتائج، لا بالأشخاص أو المواقع الوظيفية.
إن النجاح الحقيقي لا يتمثل في ضبط الأموال بعد غسلها وتحويلها إلى سبائك ذهبية أو تهريبها عبر شركات وواجهات تجارية وإنما في منع غسلها ابتداءً، وتجفيف منابعها قبل دخولها الدورة الاقتصادية.
إن قضية السبائك الذهبية ليست مجرد قضية فساد مالي بل هي اختبار حقيقي لفعالية منظومة مكافحة غسل الأموال في العراق.
وإذا كانت الأموال غير المشروعة استطاعت أن تتحول إلى ذهب ثم إلى أصول قابلة للنقل والتداول فإن ذلك يفرض مراجعة وطنية شاملة للأداء المؤسسي لأن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ من كفاءة مؤسسات الرقابة والاستخبارات المالية وتنتهي بمساءلة كل من يثبت تقصيره وفق أحكام القانون، حفاظاً على سمعة العراق المالية وتعزيزاً لالتزامه بالمعايير الدولية وسيادة القانون.


