حين يتحوّل النفط إلى قيد: ديكتاتورية الريع في العراق

حين يتحوّل النفط إلى قيد: ديكتاتورية الريع في العراق
الاقتصاد الريعي في العراق يحوّل النفط من نعمة إلى قيد يكرّس التبعية ويعطل الإنتاج والإصلاح، فيما تُمارس "ديكتاتورية الريع" عبر لغة الخوف من العجز والبطالة. الحل يتطلب مشروعاً وطنياً يعيد بناء الدولة على الإنتاج والمعرفة والعدالة....

استراتيجية وادارة الازمات

يشير مصطلح “الرعب الاقتصادي” كما تصوّره الباحثة الفرنسية فيفيان فورستي في كتابها اللافت “الرعب الاقتصادي: ديكتاتورية الريعية” إلى منظومة عالمية تحوّل الاقتصاد من أداة لخدمة الإنسان إلى بنية سلطوية ترسم حدود المسموح والممنوع وتُخضع المجتمعات لمعادلات مالية جامدة تُدار باسم الاستقرار. لا يعود الاقتصاد هنا علماً عقلانياً بل يصبح منظومة شبه دينية يُطاع فيها خبراء الاقتصاد كما كان يُطاع الكهنة في العصور الوسطى دونما مساءلة أو نقاش ديمقراطي.

هذا التحليل يجد تطبيقه الأكثر فجاجة في الحالة العراقية حيث يُجسّد الاقتصاد الريعي النفطي أعلى درجات هذا “الرعب البنيوي”. فالعراق لا يُنتج ثروته بقدر ما ينتظرها من أسواق النفط الدولة تهيمن على التوزيع والمواطن يتحوّل إلى مستهلك سياسي واقتصادي لا يُقاس دوره بما يُنتج بل بما يتقاضى وغالباً عبر وظيفة حكومية تفتقر إلى الجدوى الإنتاجية.

وهكذا يصبح المجتمع رهينة لدورة ريعية مغلقة، تكرس التبعية وتقتل روح المبادرة الفردية والجماعية. فبدلاً من أن يكون النفط محفزاً للتنمية، يتحول إلى أداة لإدامة نظام clientelism يربط الولاء بالامتياز لا بالإنتاج. هذه المعادلة تخلق مواطناً متسولاً للدولة بدلاً من أن يكون شريكاً في بناءها، وتُغيب أي حافز حقيقي للإصلاح الهيكلي أو التغيير الجذري الذي يتطلبه الخروج من هذا النفق المظلم

النفط هنا لم يعد نعمة بل قيداً اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً يُكبّل قدرات المجتمع ويمنعه من بناء نموذج تنموي مستقل.

الديكتاتورية الناعمة

تُحذّر فورستي من أن هذه الديكتاتورية الناعمة لا تُمارس بالقوة المباشرة بل عبر آليات التخويف: الخوف من التضخم من الدين العام من العجز من البطالة. وهي اللغة ذاتها التي تتبناها الحكومات الريعية ومنها العراق حيث تُبرر تقشفها وانسحابها من دورها الاجتماعي عبر معادلات اقتصادية مفخخة تُقدَّم كحقائق مقدسة. الرعب الاقتصادي هنا أداة سيطرة على العقول لا على الأجساد ومهمته تعطيل التفكير في البدائل.

النتيجة هي أن العراق يعيش في نموذج مزدوج الهشاشة: لا اقتصاد سوق تنافسي حقيقي ولا دولة إنتاج قوية بل مزيج من المحسوبية والاحتكار والاعتمادية المطلقة على الريع وما يُروج له في الخطاب العام من تمجيد للقطاع الخاص أو الاستثمار الأجنبي غالباً ما يتم دون رؤية واضحة أو قدرة مؤسساتية على التنظيم مما يخلق اقتصاداً تابعاً يتوسل الخارج بدل أن يُعيد بناء الداخل.

لمن يُدار الاقتصاد؟

وما لم يُطرح سؤال: “لمن يُدار الاقتصاد؟” ستبقى البلاد رهينة هذه الهيمنة البنيوية ديكتاتورية الريع لا تعني فقط استبداد الدولة بل خضوع الدولة نفسها للسوق الدولية وتحوّل المواطن إلى رقم في معادلة سعر البرميل التحدي ليس في إنهاء الريع بل في إعادة تعريف الاقتصاد بوصفه نشاطاً إنسانياً يخدم التنمية ويحرّر الإرادة الوطنية.

في خلاصة فورستي لا حل إلا عبر استعادة الإنسان كمحور الاقتصاد ورفض تسليع الحياة والسياسة والمجتمع وفي السياق العراقي فإن الخروج من قيد الريع يتطلب مشروعاً وطنياً متكاملًا يُعيد بناء الدولة من خلال الإنتاج والمعرفة والعدالة في التوزيع أما الرعب فسيبقى مسيطراً طالما بقي النفط هو السيد المطلق على القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *