يظل مفهوم المثقف إشكاليًا في طبيعته وسماته وخصائصه،
وفي الدور المنوط به تاريخيًا بوصفه حاملًا للمعرفة وممارسًا لها في هذه الحياة كقوة لا حدود لها،
إلا حدود قيم المثقف ذاته، ومدى ارتباطه بالإنسان وقضاياه المصيرية.
والمثقف، في سياقه العام، هو من امتلك المعرفة وتعامل معها عقلانيًا،
واستطاع تحويلها إلى قوة مادية فاعلة ومؤثرة في مسيرة حياته وحياة مجتمعه المادية والفكرية معًا.
وغالبًا ما تحدد طبيعة هذا التأثير وأهدافه المصالح المادية والمعنوية المعبرة عن واقع وطموحات الحوامل الاجتماعية لهذه المعرفة؛
أي المثقف، أو من تعبّر عنهم هذه الحوامل في مرحلة تاريخية محددة.
تعدد نماذج المثقف
على هذا الأساس، لا يمكننا أن نقدّم نموذجًا واحدًا للمثقف،
فالمثقف يتوزع عمليًا وفكريًا وفقًا للنسق الفكري الذي يشتغل عليه، وتبعًا للوظيفة الاجتماعية أو الإدارية أو السياسية التي يرتبط بها.
فهناك مثقف متعلّم، وهناك مثقف يشتغل على النسق المعرفي الديني، وهناك مثقف سلطة يعمل لخدمة سلطة حاكمة،
بغض النظر عن توجهات هذه السلطة الأيديولوجية التي يعمل معها.
وهناك أيضًا مثقف مرتزق يبيع حبره وقلمه لمن يدفع له، بغض النظر عن توجهات الدافع أو المموّل،
حتى لو كان المستعمر. وهناك المثقف العضوي، وهو المثقف الأكثر ارتباطًا بمصالح الجماهير.
دور المثقف العضوي
على هذا الأساس، يأتي دور المثقف العضوي في تنمية الثقافة التنويرية العقلانية،
وتأصيلها في عقول المواطنين الذين ينتمي إليهم طبقيًا،
وخاصة القوى الاجتماعية المضطهدة والمغربة والمستلبة في دولة الاستبداد والفساد من جهة.
كما يأتي دوره، في المحصلة،
في التأصيل لثقافة إنسانية تتجاوز حدود طبقته أو القوى الاجتماعية أو الجغرافية التي ينتمي إليها في مجتمعه أو دولته أو وطنه.
المثقف العضوي عند غرامشي
لا شك أن من نحت مصطلح «المثقف العضوي» هو المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي،
بوصفه مفكرًا يساريًا ملتزمًا بطبقته العاملة، وبفهمه للصراع الطبقي القائم أساسًا بين طبقتين: مالكة ومنتجة.
أما فهمنا نحن في عالمنا العربي لقضية الصراع الطبقي، فيختلف من حيث البنية الطبقية وتكوينها من جهة،
ومن حيث اختلاف طبيعة النضال السياسي وبنيته أيضًا من جهة ثانية.
فمجتمعاتنا تقودها أحزاب وقوى طبقية تشكل بنيتها التنظيمية ما يسمى بتحالف قوى الشعب العاملة،
وهي تختلف بالضرورة عن البنية السياسية وطبيعتها في أوروبا الصناعية.
وأخيرًا، فإن النضال الذي تقوده هذه الأحزاب، ممثلة بحواملها الاجتماعية،
هو نضال ضد تخلف مركب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
المثقف العضوي في السياق العربي
من هذا المنطلق، يمكن القول إن سمات المثقف العضوي وخصائصه ومهامه وأهدافه وإشكالياته تختلف عن مفهوم غرامشي لها.
وعليه، فإن المثقف العضوي هو المثقف الملتزم سياسيًا وتنظيميًا بقوى اجتماعية محددة، غالبًا ما تكون قوى الشعب العاملة،
التي يجمعها تنظيم سياسي له مواقفه الفكرية أو منطلقاته النظرية،
التي تعبّر عن بنيته الطبقية وطموحاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويمتاز المثقف العضوي، إضافة إلى سعة ثقافته وتنوعها، والتزامه الأخلاقي أو القيمي بما يحمل من رؤى ثقافية،
بحيويته وعمله الدؤوب على نشر هذه الرؤى بين أفراد تنظيمه الحزبي من جهة،
والمجتمع الذي ينشط فيه هذا الحزب أو يقوده من جهة ثانية، بغية الرقي بواقعهم وتجاوز تخلفهم.
المثقف العضوي والسياسة
إذن، فإن المثقف العضوي هو مثقف مسيّس بالضرورة؛ أي مثقف ينتمي إلى تنظيم حزبي وأيديولوجيا محددة،
تعبّر عن طموحات قوى طبقية غالبًا ما تكون مسحوقة ومضطهدة ومستلبة.
ونشاطه، وفق هذا المنطلق، يميل أو يتجه تبعًا لطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع،
ودور ومكانة وفاعلية تنظيمه السياسي، سواء أكان هذا التنظيم في السلطة أم خارجها.
غير أن هذا المثقف يظل، في سياق نشاطه ومواقفه الفكرية والعملية، يواجه إشكاليات من داخل تنظيمه ومن خارجه معًا.
إشكاليات المثقف العضوي داخل التنظيم
على مستوى التنظيم الداخلي، تكمن إشكاليات المثقف العضوي مع كثير من عناصر تنظيمه،
وبخاصة إذا كان هذا التنظيم ذا صفة شعبوية، تغلب في بنيته التنظيمية القيادات النخبوية على حساب الطليعية.
فالعناصر المثقفة الطليعية في هذا التنظيم غالبًا ما تكون قليلة، لذلك يقع هذا المثقف تحت أنظار الآخرين في التنظيم الذي ينتمي إليه،
فيكون الأكثر تعرضًا للنقد من قبلهم.
ولا يأتي هذا النقد بالضرورة لأنه يخطئ أو يصيب أثناء ممارسته النشاط الثقافي داخل التنظيم،
بل لأن من يعملون على انتقاده قد يكونون أقل ثقافة منه، وربما لا يملكون القدرة على إدراك دلالات ما يقوله،
أو لأن بعضهم يشعر بأنه منافس له.
ولا نغالي إذا قلنا إن هذا المثقف غالبًا ما يُتهم من قبل عناصر تنظيمه بالانحراف الفكري، وحتى بالكفر والزندقة والمروق على الدين،
إذا تجرأ وتكلم بعلمانية التنظيم الذي ينتمي إليه، أو أبدى عقلانية أفكار ومبادئ حزبه.
وتزداد المسألة خطورة إذا كان الحزب الذي ينتمي إليه هذا المثقف قد وصل إلى السلطة، وأخذت الانتهازية تنخره من الداخل.
ففي مثل هذه الحالة، غالبًا ما يشتد عليه الحصار، ويُعمل على تهميشه أو إقصائه.
معاناة المثقف العضوي خارج التنظيم
أما على مستوى الخارج، أي خارج تنظيمه الحزبي،
فيجد المثقف العضوي كثيرًا من المعاناة داخل محيطه الاجتماعي الذي ينشط فيه أيضًا.
وغالبًا ما تأتي هذه المعاناة من الذين يختلف معهم في الرؤية والمنهج أولًا،
ثم من أشباه المثقفين، وبخاصة المهاترين منهم ثانيًا.
فيأتي توصيف هؤلاء له شبيهًا بتوصيف أعدائه من داخل تنظيمه نفسه أو متكئًا عليه.
وما يزيد الطين بلة هو وقوعه بين مطرقة العناصر الجاهلة والانتهازية في تنظيمه،
وسندان أعداء التنظيم في المجتمع الذي ينشط فيه.
وفي مثل هذه الوضعية، يُضاف إلى توصيفه السابق، الذي وُصف به من قبل عناصر تنظيمه،
أو ما يمكن تسميتهم بـ«الإخوة الأعداء»، توصيف آخر يصفه بأنه مثقف سلطة، أو انتهازي، أو مرتزق، وغير ذلك من الاتهامات.
من المثقف العضوي إلى المثقف الرسولي
والملفت للنظر أن هذا المثقف، تحت ما يعانيه من ضغوط، قد يضطر إلى ترك التنظيم. وفي حال تركه،
إما أن يذهب إلى تنظيم آخر، وغالبًا لا يجد فيه ضالته المنشودة، وإما أن يتحول إلى مثقف تبشيري أو رسولي.
وهنا يترك تنظيمه السياسي، ويتفرغ كليًا لقضايا الفكر والثقافة،
منطلقًا في توجهاته وسلوكياته من منطلق أخلاقي يقر بأن المعرفة سلاح يجب أن تكون له وظيفته في هذه الحياة.
وتتمثل هذه الوظيفة في العمل من أجل تقدم الإنسان عمومًا، وتحقيق سعادته،
وتخليصه من أوهامه وضياعه واستلابه وحالات تشيئه،
ومن الاستبداد والقهر اللذين مورسا عليه وما زالا يُمارسان عليه.
خاتمة
هذه هي بعض معاناة المثقف العضوي الذي يعمل في مجتمعات العالم الثالث؛
تلك المجتمعات التي كثيرًا ما يُحتقر فيها المثقف والثقافة معًا.
ومع ذلك، يظل المثقف العضوي، في جوهر دوره، حاملًا للمعرفة بوصفها قوة تغيير،
وساعيًا إلى ربط الثقافة بقضايا الإنسان والمجتمع، ومواجهة التخلف والاستلاب والاستبداد،
سواء من داخل التنظيمات السياسية أو من خارجها.


