لا شك أن إصلاح النفس وتزكيتها يُعدّ الهدف الأول من أهداف الدين القويم،
وركيزة من ركائز بناء الشخصية المؤمنة المثالية.
فلا نستطيع أن نقيم البناء إذا لم تكن أدواته سليمة، ولأجل إصلاح المجتمع لا بد من إصلاح الفرد أولًا،
لأنه الأساس في البناء المحكم للجماعة الصالحة التي تحتضن مشروع أهل البيت عليهم السلام.
ومن هنا يطرح بعضهم سؤالًا مهمًا: هل إن إصلاح النفس وحده يكفي للتمهيد للإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
إصلاح النفس ومعرفة الإمام
كما قلنا، إن إصلاح النفس أمر مهم وجيد وأساسي، لكنه وحده لا يكفي من دون معرفة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فلا يوجد تناقض بين الأمرين، فكلاهما مطلوب؛ فمعرفة الإمام من أصول الدين، وتزكية النفس من فروع الدين.
وهنا يبرز سؤال آخر: ما المعرفة المطلوبة في هذا المقام؟
أنواع المعرفة المطلوبة
المعرفة هنا على نوعين:
أولًا: المعرفة العقائدية، وتشمل صفات الإمامة، كالعصمة، والولاية التكوينية، والولاية التشريعية.
ثانيًا: معرفة علامات ظهور الإمام المهدي عليه السلام، وذلك لكي يقوم المؤمن بواجب النصرة والتمهيد.
ولهذه المعرفة طريق وضعه أهل البيت عليهم السلام، وهو منهج علامات الظهور الشريف.
والدليل على أهمية هذه المعرفة ما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، حيث قال:
«إن قدام القائم علامات تكون من الله عز وجل للمؤمنين…» (١)
فحديث الإمام الصادق عليه السلام يشير إلى أن من صفات المؤمن أن يترقب العلامات التي توصله إلى معرفة إمام زمانه،
وهذا هو معنى انتظار الفرج.
علامات الظهور ومعنى الانتظار
لقد جسّد سلمان الفارسي رضوان الله عليه هذا المعنى حين تتبّع علامات بعثة النبي صلى الله عليه وآله،
وجاء من أقصى بلاد فارس إلى المدينة المنورة.
فكيف عرف بظهور نبي في مدينة يثرب؟ إن التاريخ يقول إن سلمان عرف ذلك من خلال العلامات.
وهنا لا نقصد الانتظار السلبي، بل نقصد الانتظار الإيجابي، وهو الانتظار الذي يتمثل في التحرك الفاعل،
لا في الجلوس في المنزل وانتظار الأحداث.
فالانتظار الإيجابي يعني نصرة رايات الهدى، وتهيئة الأرض للدولة المهدوية، وطاعة المرجعية.
فمن ينتظر ضيفًا يستعد له من جميع النواحي، ويهيئ المكان لاستقباله، ويقوم بما يليق بهذا الانتظار من استعداد واهتمام.
تزكية النفس في طريق التمهيد
كذلك فإن الانتظار يستدعي منا تزكية النفس في المقام الأول،
ومحاولة تقفّي آثار أهل البيت عليهم السلام من خلال علم الأخلاق الذي وضعه لنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرون عليهم السلام.
كما يستدعي الالتزام بالعبادات الواجبة، من صلاة وصيام وخمس،
وغيرها من فروع الدين التي تصوغ شخصية المؤمن، وتجعله أكثر استعدادًا لتحمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
النزول إلى المجتمع وخدمة القضية المهدوية
إن النزول إلى المجتمع هو أيضًا من مظاهر السير على نهج أهل البيت عليهم السلام،
وذلك بالسعي إلى استنقاذ أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله، من خلال إيصال صوت أهل البيت عليهم السلام إلى كل مسلم.
ويشمل ذلك إقامة الشعائر الحسينية، وإيصال قضية الإمام المهدي عليه السلام إلى قلب وعقل كل مؤمن،
حتى لا تبقى القضية المهدوية فكرة بعيدة عن وعي الناس وسلوكهم اليومي.
نشر القضية المهدوية وحماية الناس من الفتن
لذلك يجب نشر القضية المهدوية، وتوضيح علامات الظهور الشريف للناس،
لأن هذه العلامات تحميهم من فتن آخر الزمان الخطيرة.
وقد حدد لنا أهل البيت عليهم السلام رايات هدى في عصر الظهور الشريف،
وهما راية اليماني وراية الخراساني.
ومن هنا ينبغي فهم حركة هذه الرايات، والسعي إلى تعزيز قوة المعسكر المؤمن،
بما يعزز الاقتدار الشيعي، وكذلك السعي إلى إضعاف المعسكر المعادي المتمثل بقوى الشيطان والاستكبار.
وهذان الأمران، أي الاقتدار الشيعي وضعف الأعداء، يُعدّان من شرائط الظهور الشريف.
خاتمة
إن إصلاح النفس والقضية المهدوية ليسا مسارين منفصلين، بل هما طريق واحد يجمع بين تزكية الفرد،
ومعرفة الإمام، والوعي بعلامات الظهور، والعمل الاجتماعي، والالتزام بالواجبات الدينية، ونصرة رايات الهدى.
فالمؤمن المنتظر لا يكتفي بإصلاح ذاته بمعزل عن قضيته، ولا ينشغل بالقضية المهدوية من دون تزكية نفسه،
بل يجمع بين المعرفة والعمل، وبين العبادة والمسؤولية، وبين الانتظار والاستعداد، ليكون من الممهّدين الحقيقيين لدولة العدل الإلهي.
