حين نضع التجربة التنويرية الغربية في كفة، والمحاولات التنويرية العربية والإسلامية في كفة أخرى،
على مدى أكثر من قرن وربع، فإننا لا نقارن بين ذكاءين أو عبقريتين، بل نقارن بين زلزال هزّ القواعد،
وعواصف حرّكت السطح وظلّ القاع ساكنًا.
إن نجاح التنوير في الغرب، وفشله أو تعثره المزمن في واقعنا العربي،
يعود إلى ثلاثة عناصر جوهرية غابت عن مشروعنا الفكري، وحضرت في صلب التجربة الغربية.
أولًا: بنية الصدام وتفكيك المؤسسة
لم ينطلق التنوير الأوروبي من الصالونات المخملية بوصفه ترفًا فكريًا، بل وُلد من رحم صدام وجودي،
ومن تفكيك حاد لما يمكن تسميته بـ«المقدس المزيف».
ففلاسفة الغرب، من أمثال فولتير وجون لوك وكانط، لم يكتفوا بتقديم أفكار بديلة،
بل خاضوا معركة كسر عظم تفكيكية ضد تحالف الإقطاع والكنيسة والملك.
وقد أنتج هذا الصدام فصلًا حاسمًا بين سلطة السماء المطلقة وسلطة الأرض المتغيرة،
فبدأ العقل الأوروبي يؤسس لنظام جديد يقوم على النقد، والقانون، والمؤسسة، وحرية التفكير.
التنوير العربي ومأزق المهادنة
في المقابل، اتسم التنوير العربي الإسلامي بميزة المهادنة والتوفيقية القلقة.
فمنذ رفاعة الطهطاوي، مرورًا بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
وصولًا إلى طه حسين ومشاريع محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، ظل التنويريون العرب،
طوال 126 عامًا، يحاولون الاعتذار أو التوفيق بين الحداثة والتراث.
لقد أرادوا إدخال العقل التنويري من دون المساس بالبنى العميقة للمؤسسة التقليدية.
فكانت النتيجة أن المؤسسة التقليدية، السياسية والدينية، ابتلعت أفكارهم، وحولتها إلى رطانات معزولة،
بينما ظل القاع الاجتماعي وفيًا للخرافة والقبيلة.
ثانيًا: الحاضنة الاجتماعية للفكرة التنويرية
الأفكار لا تمشي في الشوارع حافية؛ إنها بحاجة إلى أقدام تحملها، وقوة اجتماعية تحميها،
ومصلحة واقعية تجعلها جزءًا من حياة الناس لا مجرد نظرية في الكتب.
في الغرب، التقى الفكر التنويري مع صعود الطبقة البرجوازية والثورة الصناعية.
فقد كان التجار والمهنيون والعمال بحاجة إلى القانون والحرية والفردية،
من أجل حماية مصالحهم الاقتصادية ضد إقطاع الملوك والكهنة.
هنا تحوّل التنوير من نظرية في كتاب إلى مصلحة حياتية،
تدافع عنها طبقة صاعدة قادت الثورة الفرنسية والثورات الصناعية، وأسست لمرحلة جديدة في التاريخ الأوروبي.
التنوير العربي كمشروع نخب بلا طبقة
أما التنوير العربي، فقد ظل في جانب كبير منه مشروع نخب بلا طبقة.
كان المفكر يكتب لزميله المفكر، بينما كان القاع الاجتماعي يرزح تحت وطأة الفقر،
والجهل، والتبعية الاقتصادية.
وعندما يغيب الأمان الاقتصادي، لا يبحث المواطن غالبًا عن حرية التعبير أو العقل النقدي،
بل يبحث عن الوعظ المزيف، وعن الفتات الذي يقدمه اللص السياسي والمقاول.
وهكذا تحوّل المفكر التنويري في عالمنا إلى غريب في بيئته،
مطرودًا أو مهاجرًا، تاركًا الساحة للجهلة، والأدعياء، والمنتفخين بالهباء.
ثالثًا: تحالف الاستبداد والجهل الممنهج
في الغرب، أنتج التنوير دولة المؤسسات والقانون،
حيث يخضع الحاكم والمحكوم لمعيار الكفاءة والعقد الاجتماعي.
أما في فضائنا العربي، فقد أدرك التحالف النفعي، المكوّن من اللص السياسي والمقاول والواعظ المزيف،
أن الوعي النقدي هو العدو الأول لمصالحه.
لذلك، جرى العمل على تجهيل ممنهج للقاع الاجتماعي.
فعندما تُفرغ المناهج التعليمية من الفلسفة والمنطق والثقافة والوضوح،
وتُملأ الفضائيات ومنصات التواصل بالخرافة والاستعراض الأجوف، يصبح من السهل قيادة القطيع.
لقد نجح هذا التحالف في تحويل السؤال العاري إلى تهمة، والانتقاد إلى خيانة،
حتى صار المجتمع نفسه يحارب تنويرييه بالنيابة؛ يحاربهم مدفوعًا بجهله، ليحمي لصوصه والمنتفعين من تخلفه.
لماذا نجح الغرب وتعثرنا؟
لقد نجح الغربيون لأنهم أحدثوا قطيعة كاملة مع الماضي المتهالك،
وشيدوا بنيانهم الجديد على أرضية صلبة من العقل والقانون،
ثم تلقفت أفكارهم طبقة اجتماعية حية، رأت في التنوير مصلحة وضرورة ومستقبلًا.
أما نحن، فقد فشلنا لأننا حاولنا ترميم قصر متهالك بطلاء حديث.
ظل السقف آيلًا للسقوط، وبقيت الأعمدة القديمة تتحكم في البنية كلها، حتى هبطنا في النهاية إلى هذا القاع المأزوم.
إنها أزمة مواجهة شجاعة غابت، وزلزال بنيوي تم تأجيله طويلًا.
خاتمة
إن مأزق التنوير العربي لا يعود إلى نقص في الذكاء أو غياب في القدرة النظرية،
بل إلى غياب الصدام البنيوي، وافتقاد الحاضنة الاجتماعية، واستمرار تحالف الاستبداد والجهل الممنهج.
فمن دون تفكيك عميق للمؤسسات التي تعيد إنتاج التخلف، ومن دون طبقة اجتماعية تحمل المشروع التنويري وتحميه،
ومن دون مواجهة حقيقية مع الجهل المنظم، سيظل التنوير العربي عاصفة فوق السطح، لا زلزالًا يغيّر القاع.


