انقطاع الكهرباء في العراق

انقطاع الكهرباء في العراق
انقطاع الكهرباء في العراق يتجاوز العطل الفني ليشكّل تهديداً للحياة والاقتصاد، ويكشف غياب خطط طوارئ ومنظومة طاقة متكاملة. الدرس العالمي أن الأمن الطاقي يتطلب مرونة، مصادر بديلة، وتخطيطاً وطنياً يحول الأزمة إلى فرصة إصلاح حقيقي...

انقطاع الكهرباء في معظم أنحاء العراق تحت درجات حرارة تتجاوز قدرة البشر على الاحتمال ليس مجرد حادث عابر يمكن تجاوزه بالصبر أو الاعتياد، بل هو إنذار واضح بأن الدولة، بكل مؤسساتها، تفتقر إلى بنية تحتية للطاقة قادرة على الصمود أمام الأزمات. فالأمر يتجاوز الانزعاج من توقف أجهزة التكييف أو إضاءة المنازل، إلى تهديد مباشر للحياة، خصوصًا للفئات الأضعف من كبار السن والمرضى والأطفال، وعرقلة شاملة لكل أنشطة الاقتصاد والخدمات الأساسية. وإذا كنا في العراق قد اعتدنا على أزمات الكهرباء حتى صارت جزء من يومياتنا، فإن ما جرى اليوم يجب أن يكون لحظة مراجعة عميقة، تمامًا كما فعلت مدينة لانكستر البريطانية عام 2016 حين واجهت أزمة مشابهة. ففي ديسمبر 2015، شهدت لانكستر انقطاعًا شامل للكهرباء دام عدة أيام بعد أن غمرت مياه الفيضانات محطة كهربائية فرعية نتيجة العاصفة ديسموند، وهو ما أدى إلى توقف الحياة بشكل شبه كامل في المدينة. لم تتعامل السلطات البريطانية مع الأمر بوصفه حادث عرضي، بل اعتبرته الجمعية الملكية للمهندسين درس وطني في كيفية التخطيط للطاقة في عصر يعتمد فيه كل شيء تقريبًا على الكهرباء والإنترنت.

تجارب عالمية في انقطاع الكهرباء

أعد البروفيسور روجر كيمب من جامعة لانكستر تقرير وثق فيه تجارب المؤسسات والمواطنين خلال الأزمة، بدء من المستشفيات ودور الرعاية، وصولًا إلى المتاجر وشركات النقل، وكشف أن ما كان صادم ليس انقطاع خدمة أو اثنتين، بل انهيار عدد كبير من الأنظمة في وقت واحد، وهو ما جعل الناس يدركون هشاشة اعتمادهم الكلي على الكهرباء. أوضح التقرير أن التقدم التكنولوجي الذي جعل الحياة أسهل ، مثل الجداول الزمنية على الإنترنت، والأرقام المخزنة في شرائح الهواتف، وأنظمة الدخول بالبطاقات بدل المفاتيح ، يصبح بلا قيمة عند انقطاع الكهرباء، بل يتحول إلى عبء إضافي، إذ يعجز الناس عن تنفيذ أبسط المهام اليومية. كما بيّن أن بريطانيا، رغم موثوقية نظامها الكهربائي عالميًا، لا تستطيع ضمان 100% من الاعتمادية في كل الظروف، ما يجعل خطط الطوارئ أمر لا بد منه. هذه المقاربة تكشف ما ينقصنا في العراق، نحن نعيش في بلد يُعدّ من أغنى بلدان العالم بالموارد الطاقية، ومع ذلك نفتقر إلى خطط احتياطية جادة لمواجهة الأعطال أو الظروف الطارئة.

إعادة بناء منظومة الطاقة

الأزمة في لانكستر كشفت أن انقطاع الكهرباء لا يعني فقط الظلام والحرارة أو البرد، بل فقدان الاتصالات، توقف الإنترنت والبث التلفزيوني، شلل أنظمة الدفع الإلكتروني، توقف محطات الوقود، فساد المواد الغذائية، إغلاق المدارس والجامعات، وانهيار خدمات أساسية في المستشفيات ودور الرعاية. كل هذه السيناريوهات ليست بعيدة عن واقعنا، بل نحن نعيشها بشكل شبه يومي، لكن دون أن نحولها إلى فرصة لإصلاح النظام. ما نحتاجه في العراق ليس فقط زيادة إنتاج الكهرباء أو إصلاح شبكات النقل، بل إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة بوصفه قضية وطنية تمس الأمن القومي، وإدراك أن الاعتمادية المطلقة على مصدر واحد أو نظام مركزي هش هو وصفة مؤكدة للانهيار عند أول أزمة. يجب أن نتعلم من تجارب العالم أن البنية التحتية للطاقة ليست مجرد خطوط وأسلاك ومحطات، بل منظومة متكاملة تشمل خطط طوارئ، ومرونة تشغيلية، وتدريب المؤسسات على العمل في ظروف فقدان الكهرباء، وتطوير مصادر بديلة للطاقة يمكن الاعتماد عليها ولو جزئيًا في الأزمات، مثل الطاقة الشمسية الموزعة على الأحياء والمنازل، وأنظمة التخزين، وشبكات الكهرباء المصغرة. لانكستر خرجت من أزمتها بدروس واضحة وموثقة، أما نحن في العراق فما زلنا ندور في حلقة مفرغة من التبريرات والوعود المؤجلة، بينما تزداد كلفة الفشل عامًا بعد عام، ليس فقط بالمال المهدور، بل بالأرواح، وبانهيار ثقة الناس في قدرة الدولة على توفير أبسط مقومات الحياة. الدرس الأهم أن انقطاع الكهرباء ليس مشكلة تقنية بحتة، بل مرآة تعكس مدى جاهزية المجتمع والدولة لمواجهة الطوارئ، وأن البنية التحتية القوية ليست رفاهية، بل شرط أساسي للبقاء في عالم مترابط هش، قد يتوقف في لحظة بسبب عطل واحد أو فيضان أو موجة حر. وإذا لم تتحرك الحكومة العراقية الآن، فإن انقطاع اليوم لن يكون الأخير، بل مجرد بروفة لما هو أسوأ.

ملاحظة : أدناه تقرير جامعة لانكستر وتقرير الجمعية الملكية للمهندسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *