تمييز جريمة الرشوة عن جريمة الاحتيال في أعمال الموظفين

تمييز جريمة الرشوة عن جريمة الاحتيال في أعمال الموظفين
تميّز الرشوة باقترانها بالوظيفة العامة مقابل الكسب غير المشروع، بينما يُعدّ الاحتيال خداعًا للاستيلاء على المال دون صلة حقيقية بالوظيفة. التكييف القانوني يتحدد بطبيعة الفعل والنية، وليس بمجرد صفة الجاني....

جريمة الرشوة هي قيام الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة بالمتاجرة بأعمال وظيفته عن طريق القيام بعمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه أو الإخلال بواجبات الوظيفة مقابل عطية أو منفعة أو ميزة أو وعداً بشيء من ذلك ، أو تكون رشوة لاحقة بمعنى إن الطلب أو القبول أو الاخذ حصل بعد اداء العمل أو الامتناع عنه أو بعد الإخلال بواجبات الوظيفة بقصد المكافأة على ما وقع من ذلك، وتقوم جريمة الرشوة ولو إن اداء العمل أو الامتناع عنه لا يدخل في اعمال وظيفته ولكنه زعم ذلك أو اعتقده خطأ، وتقوم الجريمة ، ايضاً ، ولو كان المتهم يقصد عدم القيام بالعمل أو عدم الامتناع عنه وعدم الإخلال بواجبات وظيفته ( المواد (307) و (308) و (309) من قانون العقوبات . وتجدر الاشارة الى إنّ القرار رقم (160) لسنة 1983 قد شرّع أحكاماً عقابيةً معدلة للعقوبات المفروضة على جرائم تتصل بالوظيفة العامة.

الخداع وأركان جريمة الاحتيال

بينما جريمة الاحتيال ( الخداع) هي قيام الجاني بالتوصل الى تسلم أو نقل حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه أو الى شخص آخر باستعمال طرق احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو تقرير أمر كاذب عن واقعة معينة متى كان من شأن ذلك خداع المجني عليه وحمله على التسليم ، المادة (456) من قانون العقوبات.

فإذا قام الموظف أو ذو التكليف العام بإيهام المجني عليه، مستغلاً حاجته للتعيين، مثلاً ، بامكانية تعيينه في دوائر الدولة مقابل مبلغ مالي معين، ثم تبين كذب ذلك ، فيكون السؤال المطروح هنا هو : هل يعدّ الموظف مرتشياً أم محتالاً !

للاجابة على ذلك نقول : إنّ الموظف لم يتعهد للمجني عليه للقيام بعمل من أعمال وظيفته، إنما أوهمه بالتوسط له في دائرة اخرى للحصول على التعيين مستفيداً من ستار الوظيفة الذي أوهم به المجني عليه ، طالب التعيين ، وحمله على تسليمه المبلغ المالي المطلوب، فيكون الموظف قد ارتكب عملاً احتيالياً للتوصل الى استلام المبلغ، لذلك يكون التكييف القانوني  الصحيح لهذا الفعل هو ان يعدّ هذا الموظف محتالاً وتتخذ الإجراءات ضده على هذا الأساس ، وليس مرتشياً، وتطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز الاتحادية بتأريخ 19 / 7 / 2018 بأنّه ” إذا كان  المتهم قد طلب من المشتكي مبالغ مالية مقابل تعيينه في مديرية التربية بناء على زعمه أنّ لديه معارف في مجلس المحافظة، فإنّ فعله ينطبق وأحكام المادة (٤٥٦/ ١/ب) من قانون العقوبات- جريمة احتيال- وليس عن جريمة الرشوة وفق احكام المادة (٣٠٨) من قانون العقوبات، لأنّ طلب المبالغ لم يكن بسبب الوظيفة ، كون المتهم يعمل في الجامعة ، وبالتالي يكون اتجاه المحكمة بتجريم المتهم وفق المادة (٣٠٨) عقوبات غير صحيح وحرياً بالنقض “.

فروق قانونية جوهرية

يتضح مما تقدّم ما يأتي :

١- انه يجب التمييز في أعمال الموظفين ، بحسب توافر عناصر معينة ، للتوصل الى التكييف القانوني الصحيح لأفعالهم الإجرامية .

٢- إنّ جريمة الرشوة لصيقة بالصفة الوظيفية، بمعنى انها لا ترتكب إلا من قبل من توافرت فيه صفة الوظيفة أو التكليف العام، بينما جريمة الاحتيال ترتكب من قبل الموظفين ومن سواهم من الجناة .

  1. إنّ جريمة الرشوة من الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة ، بينما جريمة الاحتيال من الجرائم الواقعة على الاموال.
  2. العقاب في جريمة الرشوة يحمي نزاهة الوظيفة العامة ، بينما العقاب في جريمة الاحتيال يحمي الثقة في التعامل بين الناس .

5- إنّ الجريمتين مخلتان بشرف من يرتكب أي منهما ، وتحرك الدعوى فيهما بدون شكوى لتوافر الحق العام ، ما لم تكن جريمة الاحتيال قد وقعت بين الأزواج أو الاصول والفروع .

6- لا يميل القضاء الى ايقاف تنفيذ العقوبة في الجرائم المخلة بالشرف ، ومنها جريمتا الرشوة والاحتيال ، ولو تحققت الشروط في ذلك ، وتطببقاً لذلك قضت محكمة التمييز الاتحادية بتأريخ 18 / 9 / 2012 بأنّه ” حيث إنّ العقوبة المفروضة بمقتضى المادة (308) من قانون العقوبات بالحبس البسيط لمدة (سنة) واحدة مع ايقاف التنفيذ – وهي عقوبة خفيفة غير متوازنة مع طبيعة الجريمة التي ارتكبها المدان ، لا سيّما إنّ الجريمة هي من جرائم الفساد المخلة بواجبات الوظيفة العامة التي ينبغي مكافحتها ومحاربتها وتشديد العقوبة المفروضة وإبلاغها الى الحد المناسب دون ايقاف تنفيذها “، وكذلك الحال في جريمة الاحتيال ، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة استئناف بابل الاتحادية بصفتها التمييزية بتأريخ 17 / 1 / 2019 بأنّ ” جريمة الاحتيال من الجرائم المخلة بالشرف الواردة في المادة (21) من قانون العقوبات ، وإنّ اتجاه المحكمة بإيقاف تنفيذ العقوبة غير صحيح ، إذ لا مبرّر لوقف التنفيذ ويجب على المحكمة إعادة فرض العقوبة دون إيقاف التنفيذ “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *