1-الأربعين وجذورها الدينية والأسطورية
في حياة الشعوب .هناك الكثير من الظواهر التي لاتتيح لك الوقوف ضدها أو معها إدانة أو تعاطفا ..فموقف كهذا .يجعل من رؤيتك سطحية قاصرة .لأن ظواهر بهذا الحجم لابد أن تدعوك للتأمل أو التساؤل بصرف النظر عن موقفك منها .
في مثل هذه الأيام .يتحول الشيء الى نقيضه .فالتاجر الذي يعيش طوال العام بخيلا جشعا . يصبح كريما بلا حدود ويبذل بغير حساب .حتى لتسأل نفسك مندهشا اهو فلان ذاته الذي كان يرفع حبات الارز الزائدة من الوزن ليعيدها الى الكيس ؟ يتبرع هنا بعشرين كيسا من الارز وعشرة من السكر. مبتسما راضيا؟
تسمع وترى قصصا لاتكاد تصدق انها تحدث في الواقع ..الحاقد على الخصم يصبح متسامحا .وسيء الاخلاق كثير المشاكل .يتحول الى هادئ ودود كل همه أن يخدم العابرين .وصاحب الثأر يتنازل عن ثأره
موائد الطعام والشراب تمتد طويلا .وكل يدعوك برجاء والحاح ان تشرف مائدته .أو تتناول من يده قنينة الماء أوالعصير أو الحلوى .بل وأفقر الأطفال لن يعدم مايكرمك به وان كان نصف رغيف خبز او حبة من تمر..
هناك قصص يمكن ان تحسب كنوع من المبالغة لمن يسمعها .وللدهشة لمن يراها عيانا .
صحيفة الاندبيندت .وجهت انتقادا لاذعا الى تقصير الاعلام الغربي في تغطية هذه الظاهرة .ومسؤول في دولة غنية وكبيرة يتساءل كيف لشعب يعاني كل هذه المشكلات والازمات .أن يطعم ملايين البشر دون مقابل ولأيام عديدة؟ وكيف يجتمع الملايين من مختلف الاجناس والجنسيات من دون ان تحدث حالات تدافع او مشكلات بين اثنين؟فيما تحدث كوارث ويسقط قتلى وجرحى في مبارة لكرة القدم بين فريقين محليين .أو بحفلة راقصة …
هنا قد يمكن سرد قائمة من السلبيات .من مثل استثمار هذه الأموال لبناء مستشفيات أو مدارس أو دور سكنية .الخ ..وقد تنتقد تعطيل الدوام في بلد بحاجة الى تعويض مافاته ..وقد ..وقد ..لكن كل تلك الملاحظات انما تبحث في جوهرها عن أفضل السبل للاستفادة من ظاهرة تجتمع فيها كل ما انتجته البشرية من علوم ..لكن مجرد ادانتها أو وصمها بالتخلف . سيقع في سياق الوصف السطحي غير المجدي .فهي ظاهرة يمكن من خلالها ان يتشكل حقل مستقل لدراسات سسيولوجية معمقة .تختلف عن فروع علم الاجتماع السائدة .
أدنها ان شئت .أو أيدها ان رغبت .لكن تجاهلها لم يعد ممكنا ..
2-كيف يتشكل الزمن المقدس ؟
– خلاص جمعي ،باستحضار فردي
في تتبع متأن لكيفية نشوء المعتقدات والأديان منذ بدء المجتمعات البشرية بالتكوّن، الى حين الوصول الى الإدارة بواسطة الدولة ، سيظهربالكثير من الأدّلة ،إن هناك من المفارقات بين الحضارة والمعتقدات ما يمكن البناء عليه في مسار المقدس وأسطرة الرمزالمتجسد في المخيال الجمعي .
لقد تميزت عصور الحضارة منذ انبثاقها من رحم الزراعة والنار ، بمجموعة من الظواهر كأن في مقدمها الإستقرارالمكاني بعد أن أصبح توفير القوت ممكناً مما ينتجه الإنسان ، ومن ثم تشكلت القرى الكبيرة التي تحولت الى مدن مرفقة بتشكل دولة أكثر صرامة ومعتقدات دينية أكثر رسوخاً لتكتسب من ثم قدسية أوجدت مايناظرها من سلطة أرضية ممثلة بالرأس المتحول الى ملك ،وسلطة روحية تمثلت بالكهنة بعد أن خصصت للمقدس أماكن عبادة وتقديم فرائض الطاعة لتكون المواسم أكثر خصباً والحياة أكثر أمناً .
في كل ذلك ،سار البناء الحضاري بأكمله ، وفق قاعدة (فرد يبدع ومجتمع يتبنى)أي إن الإنتاج المعرفي يتولد في مخيلة فرد أولاً ، نظراً لحاجة جمعية ،فاحتياج الناس الى نقل بضائعهم برّاً بأرض منبسطة ،أنتج العجلة ،وركوبهم المياه أنتج السفينة والزورق وماشابه ،والحاجة الى معالجة الألم الجسدي ،أوجد مهنتي الطب والصيدلة بواسطة أفراد برعوا بمثل هذا النوع من العلم – وهكذا بالنسبة لكافة العلوم الأخرى .
لكن الشعوب لم تؤسطر العلماء وتضعهم في مصاف المقدس ،ولا الشعراء والأدباء الذين ساهموا بدورهم في صنع المقدس ، بل الملوك والقادة وحدهم من حظي بتلك المكانة ،ذلك لأنه صاحب سلطة تتحكم في مصائرالناس أفراداً أو جماعات ،وكما إن الصورة المتعالية لقوى كبرى ممثلة بالآلهة ،تستطيع التحكم بمصير الإنسان ولايستطيع لها ردّا ،كذلك الدولة بملوكها وقادتها الذين استعانوا بالكهنة كي يجعلوا الطاعة واجبة بأمر إلهي .
لا أحد بإمكانه أن يقوم بوظيفة الإله ، سوى الحاكم الموكل من الآلهة ،وكل ماينتج في زمنه يحسب له كإنجاز ،حتى لو كان مكتشفاً أو مخترعاًعلمياً وضعه عقل عبقري ،وستحتاج البشرية طويلا قبل أن تعرف مايسمى (براءة اختراع) لذكر اسم العلماء .
وهكذا تلاشت آلاف العقول التي وضعت مداميك الحضارة ،وجُيرتْ لصالح أزمنة الملوك ،أو آلهة في المعتقدات .
من أول من أوجد فكرة الإله ؟ ومن أسس الدولة ؟؟
لم يذكر التاريخ أيما إسم لشخص ،رغم ما في الفكرتين من إبداع هائل كان لهما التأثير الأكبر ومايزال في تحديد مسارات جميع الأمم والشعوب بما فيها أكثرها بدائية .
ذلك يعني ان المقدس (رمزاً أو زمناً ) يتشكل وينشأ وينمو ،خارج نطاق العبقرية بمفهومها الفردي ، بل ضمن مفهوم مخيالي جمعي يبحث عن عدل أو أمن أرضي ، وما لم توفره دولة الحاكم ،أو ازداد الحاكم طغياناً ،يتحول الرمز الى بديل مفترض باعتباره مخلّصاً سيقوم بإحلال العدل المفقود بعد أن يقيم دولته المدعومة كذلك بمباركة إله عادل لايقبل بالظلم ،عندها سيتغلب العدل على السيف والرمز الاعتباري على الواقع الزمني .
3-الأربعين وجذورها الاسطورية والعلمية
– ولدت واستمرت .
– اربعينية تجاوزت التاريخ ،وحررتْ الجغرافيا .
احياء ” الأربعين ” تعود في أصلها إلى معتقد سومري / بابلي ، أشتق من ظاهرة في الطبيعة حيث الأيام الممتدة من 21 كانون أول إلى نهاية كانون ثاني التي يطلق عليه الأربعينية أو المربعانية ، يكون فيها فصل الشتاء قد بلغ ذروته في كثافة تساقط الأمطار وهبوب الرياح الباردة – خاصة في العراق – وقد اعتقد السومريون والبابليون إن الإله الموكل بالمطر والعواصف هو إنليل (3) كبير آلهتم بعد ( آنو ) إله السماء ، من هنا نسبوا تلك الأيام الأربعين إلى الإله الماطر الذي ينشط في مثل هذه الفصل من السنة ، اعتقاداً منهم بأنها مفضلة لديه، ومن ثم جعلوا منها رمزاً مباركاً تيمناً بالاعتقاد المذكور .
كما ينسب كذلك إلى المعتقد القائل بأن روح الميت تبقى تطوف في منزله مدة أربعين يوماً قبل أن تفارق بشكل نهائي ، إيحاءً بأنها تنتظر في أربعين الإله المباركة ، كي تستقي مما يرسله إنليل أو ما يُعوض عنه ، وربما من هنا جرت العادة المعروفة منذ عصور ماقبل الميلاد ، التي تقضي بإحياء ذكرى الميت بعد أربعين يوماً على وفاته ، بما يتخللها من طعام يوزع أو يؤكل على رحمة روحه ، كي تكون رحلته آمنة ومباركة نحو الأبديّة .
أما المقابل العلمي ، فيُعتبر بلوغ سنّ الأربعين بالنسبة للإنسان ، الحدّ الفاصل بين انتهاء مرحلة الشباب حيث الحيوية الجسدية والاكتساب الروحي والعقلي ، وبداية مرحلة الشيخوخة حيث النضج في الروح والعقل ، والميل إلى التأمل بعد تحقيق الاستقرار المعيشي والعائلي ، وتمتد بركات ” الأربعين ” لتشمل الطفل الوليد حيث من المتعارف عليه علمياً إنه بعد أربعين يوماً من ولادته ،يبدأ بتحديد ملامح وجه أمه والتعرّف عليها ،وفي الأيام عينها ، تكون بعض النساء من الأمهات قد استعادت دورة الخصب الشهرية بعد توقفها طوال أشهر الحمل ومايتبعها في المرحلة الأولى من الرضاعة بأيامها الأربعين ، حيث يكون حليب الأم أكثر غزارة وعطاءً.
الاحتفالية الكبرى بأربعينية الامام الحسين ، تجاوزت كل هذه الاقتباسات ،كما تعدت التاريخ ،فحررت الجغرافيا وتحولت الى مفهوم بذاتها ، يشكّل هوية روحية اجتماعية ،وبحثاً عن دور حضاري ، في عالم بات يبتعد عن مفاهيم الحضارة ويتجه نحو التوحش .


