رؤية الإمام الخميني(قده): السيادة الوطنية مشروع تحرر في مواجهة التبعية…

رؤية الإمام الخميني(قده): السيادة الوطنية مشروع تحرر في مواجهة التبعية...
السيادة الحقيقية ليست استقلالاً شكلياً بل تحررٌ فعلي من الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية، كما في فكر الإمام الخميني، بينما السيادة الغربية تخضع عملياً للضغوط الخارجية، ما يجعل السيادة العراقية الحالية هشّة ومقيدة بالإرادات الأجنبية...

 السيادة العراقية: بين الاستقلال المعلن والهيمنة الخفية…

تعدّ السيادة الوطنية للدول، من أهم مفاهيم الفقه السياسي، سواء في الفهم الإسلامي أو ضمن الأنظمة العالمية الحديثة، غير أن النظرة الغربية للسيادة ترتكز على قدرة الدولة على فرض إرادتها داخل حدودها الجغرافية دون تدخل خارجي مباشر، أما في فكر الإمام الخميني (قده)، فالسيادة تمثل بعدا أعمق يرتبط بالهوية الدينية والاستقلال الحضاري عن منظومة الهيمنة العالمية.

• السيادة في فكر الإمام الخميني(قده):

السيادة الوطنية وفق رؤية الإمام الخميني (قده) ليست مجرد إدارة ذاتية لمؤسسات الدولة، بل تعني التحرر الكامل من كل أشكال التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية، ويؤكد (قده)، على أن الاستقلال لا يعني الانعزال، بل أن تكون القرارات نابعة من إرادة الشعب المؤمن، لا من إملاءات القوى الكبرى.

– وكان (قده) يقول:

الاستقلال الحقيقي هو “ان الشعب هو الذي يجب أن يكون في ميدان السياسة، ومصير البلاد بيده، لا بيد الأجانب أو الطغاة.”

– ويقول السيد الخامنئي (دام ظله):

“الثورة الإسلامية استطاعت أن تحافظ على هويتها بفضل هذا المفهوم الجذري للسيادة الذي رسخه الإمام الخميني في نفوس الشعب الإيراني”.

• أبرز ملامح السيادة في فكر الامام (قده):

– الثقة بالنفس: و”نحن قادرون” ونرفض ثقافة العجز وهي قاعدة أساسية لبناء الاستقلال.

– المقاومة: عدم الخضوع للهيمنة مهما كانت التكاليف.

– تعزيز القدرة الدفاعية: بناء قوة رادعة تضمن استقلال القرار الفعلي.

– التبيين: إيضاح الحقائق للشعب لحمايته من التضليل والانحراف.

-الاستقامة: مواصلة الطريق الثوري وعدم الانجرار إلى مساومات مرحلية أو تنازلات تؤثر على جوهر السيادة.

•السيادة في المفهوم الغربي الحديث:

في الأنظمة الليبرالية الغربية، تفهم السيادة غالبا ضمن إطار القانون الدولي والمؤسسات، لكنها عمليا تخضع لتوازنات القوى والمصالح الكبرى، فحتى الدول المتقدمة مثل أوروبا واليابان، رغم تطورها الاقتصادي ونظمها المتطورة، فإن سيادتها منقوصة بسبب:

– الوجود العسكري والقواعد الأميركية الدائمة على أراضيها.

– الالتزام بمنظومة العقوبات الغربية التي قد تضر بمصالحها الوطنية.

– الضغوط الاستخباراتية والإعلامية التي تؤثر بشكل قوي على قراراتها السيادية.

– الهيمنة الاقتصادية عبر الدولار، نظام سويفت، والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي.

ويتجلى هذا بوضوح، في الأزمة الأوكرانية، حين اضطرت دول أوروبا لتطبيق عقوبات شديدة على روسيا رغم الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي لحقت بها، مما يوضح مدى خضوعها للسياسة الأمريكية.

•سيادة العراق، شكل بلا مضمون:

بعد سقوط نظام صدام حسين، أُعلن العراق دولة ذات سيادة، لكن الواقع يثبت خلاف ذلك، حيث لا تزال سيادة البلاد تنتهك منذ 2003 وبطرق متعددة:

– الوجود العسكري الأميركي المباشر، بالإضافة إلى أشكال أخرى من النفوذ غير المباشر.

– اعتماد النظام السياسي العراقي على الدعم الخارجي، خصوصا الأميركي.

-السيطرة على اموال النفط، وربط الاقتصاد العراقي بصندوق النقد والبنك الدولي.

– رهن القرار الأمني والسياسي والاقتصادي وحتى التشريعي بالإرادة الأميركية.

لكن، رغم هذه التحديات، برزت قوى وطنية، لا سيما من داخل الحشد الشعبي والتيارات الشيعية والمقاومة العراقية، تبنت فكر السيادة المستقلة على خطى الإمام الخميني (قده)، لكن الانقسامات السياسي الحادة في العراق، جعل تأثير هذه القوى على القرار الوطني محدودا.

  • فيتو امريكي على قانون الحشد:

منذ زمن والبرلمان العراقي، يحاول التصويت على قانون الحشد الشعبي المقدس، وهو إجراء يؤكد أهمية الحشد كقوة وطنية، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية تدخلت مباشرة، عندما أبلغ وزير الخارجية الأميركي رئيس الوزراء العراقي رفض واشنطن لهذا القانون، مع تهديدات بتقليص الدعم الأمني إذا تم إقراره.

هذا التدخل الصريح يبرز مدى هشاشة السيادة الوطنية العراقية، ويؤكد أن القرار السياسي العراقي يتعرض لضغوط وتدخلات خارجية تحدّ من استقلاليته وسيادته.

  • هل السيادة الغربية حقيقية؟

حين نقارن بين الرؤيتين، نجد أن السيادة في الغرب تقتصر على الشكل القانوني لكنها تفتقد إلى روح الاستقلال الحقيقي، فهي تخضع عمليا لهيمنة الشركات الكبرى والتحالفات العسكرية، بينما السيادة في فكر الإمام الخميني (قده) ترفض التبعية بكل وجوهها، معتمدة على الشعب والعقيدة والإيمان كمرتكزات أساسية للقرار الوطني.

  • أخيرا:

في عالمنا اليوم، تتجلى الحاجة الملحّة لإعادة تعريف السيادة الوطنية، ليس كقانون مكتوب فقط، بل كخيار وجودي ينبع من العقيدة، الإيمان، الكرامة، الوعي، وإرادة المجتمع.

وهنا، يتفوق النموذج الإسلامي على نظيره الغربي من حيث المضمون والفاعلية والاستقلال الحقيقي.

– يقول الإمام الخميني (قده):

“أول شرط لتحقيق الاستقلال هو الاستقلال الفكري والعقلي”.

ويضيف (قده):

“إذا تمكنا من إنهاء التبعية الفكرية، فإننا سنتمكن من إنهاء سائر أنواع التبعية”.

ان ما يميز فكر الإمام الخميني في مفهوم السيادة هو البعد الرسالي، الذي يمنح الدولة، دورا مقدسا، في حفظ الكرامة الإنسانية، ومواجهة الطغيان، لا مجرد جهاز إداري شكلي.

وهذا ما يجعل الجمهورية الإسلامية في إيران، رغم الحصار والعقوبات والحروب، تحافظ على كيانها وتتقدم، وفي المقابل، فشلت أنظمة تدعي السيادة في حماية شعوبها من التبعية والانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *