في عام 1945، بينما كانت أمريكا ترفع شعار “تحرير العالم” من النازية، كانت تُعدّ قنبلتها النووية الأولى لتُسقطها على مدنيين في هيروشيما وناغاساكي، هذا التناقض ليس حادثًا عابرًا، بل هو جوهر ما يُسمّى “المشروع الأمريكي”، إمبراطورية تتخفّى وراء خطاب أخلاقي، بينما تمارس أشد أنواع العنف تنظيماً، فهل تُكرر أمريكا مصير إمبراطوريات الماضي؟ وهل يمكن لـ “الاستثنائية الأمريكية” أن تنقذها من مصير المغول أو الرومان؟
المغول الجدد والعنف المؤسسي تحت شعار التحرير والديمقراطية!
“الإمبراطوريات لا تختلف في أفعالها، بل في رواياتها عن هذه الأفعال”، هكذا يشرح المؤرخ الأمريكي هوارد زين في كتابه “تاريخ الشعب الأمريكي 1980) التناقض الأمريكي:
“بينما دمّر المغول بغداد (1258) دون تبرير أخلاقي، قتلت أمريكا مليون عراقي بعد 2003 وقبلها مثلهم في أفغانستان تحت شعار “التحرير ونشر الديمقراطية”.
“استخدم المغول السيف علنًا، بينما استخدمت أمريكا “القوة الناعمة” (كما يصفها السياسي الأمريكي جوزيف ناي) لتبرير حروبها.
لكن المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد يُذكّرنا في كتابه “الثقافة والإمبريالية 1993″، بأن:
“أخطر الإمبراطوريات هي تلك التي تقنع نفسها بأن عنفها رسالة حضارية”.
المرض الأمريكي: هل دخلت أمريكا مرحلة الانهيار؟
في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى 1987″، يحذّر المؤرخ البريطاني بول كينيدي:
“عندما تبالغ الإمبراطورية في التوسع العسكري على حساب اقتصادها، فإن مصيرها محتوم” في إشارة واضحة لبدء الانهيار الامريكي.
وهذا ما نراه اليوم حيث ان الدين العام الأمريكي قد تجاوز 34 تريليون دولار في (2024) أي 120% من الناتج المحلي حسب بيانات (صندوق النقد الدولي)، كما ان
الجيش الأمريكي ينفق أكثر من الصين وروسيا والهند والمملكة المتحدة مجتمعين حسب (معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، 2023).
أما عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتاين فيقول في كتابه “انحدار القوة الأمريكية2003″، أن:
“الرأسمالية الأمريكية تخلق أزماتها بنفسها، والفجوة الطبقية ستكون قبرها”.
سيناريوهات الانهيار هل هو الحرب الأهلية أم الانكفاء للداخل؟
السيناريو الأول: انهيار داخلي (نموذج روما)
يشبّه المؤرخ الأسكتلندي نيال فيرغسون في كتابه “الانهيار: كيف تنهار الأمم “2012، أمريكا اليوم بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها:
“ان الظروف التي سبقت انهيار امبراطوريات قديمة، تتكرر اليوم في النموذج الأمريكي” ويضيف ” الانهيار لا يأتي بشكل تدريجي، بل فجائي، مثل السقوط من الهاوية”.
وحسب مراكز الدراسات الامريكية المستقلة فان الوضع الداخلي في الولايات المتحدة الامريكية منذ انتخابات 2020 في انحدار دائم :
– الاستقطاب السياسي: 52% من الجمهوريين و41% من الديمقراطيين يعتبرون الطرف الآخر “تهديدًا لأمريكا” حسب استطلاع معهد أبحاث الدين العام الأمريكي المستقل “PRRI”عام 2023.
– العنف المسلح: أكثر من 600 حادثة إطلاق نار جماعي وقعت في عام 2023 فقط حسب مشروع “GVA” (أرشيف العنف المسلح) في أمريكا.
السيناريو الثاني: الصعود الصيني (نموذج بريطانيا العظمى)
يُجادل الخبير الاستراتيجي الأمريكي واستاذ السياسة في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر في كتابه “مأساة سياسة القوى العظمى 2001” بأن:
“أمريكا ستخسر هيمنتها عندما يصبح اقتصادها غير قادر على منافسة الصين”.
والأرقام تؤكد هذا:
– الناتج المحلي الصيني (حسب تعادل القوة الشرائية) تفوّق على الأمريكي منذ 2017 (بيانات البنك الدولي).
– اليوان الصيني أصبح عملة 30% من التجارة العالمية منذ عام (2024)، مقارنة بـ 50% للدولار (تراجع من 70% في 2001).
هل يمكن لأمريكا النجاة؟
هنا يختلف المفكرون:
– فرانسيس فوكوياما الفيلسوف والاقتصادي الأمريكي في كتابه (الهوية، 2018) يعتقد أن:
“المجتمع الأمريكي مرن بما يكفي ليتجاوز أزماته”.
– لكن نعوم تشومسكي العالم والمؤرخ والفيلسوف الأمريكي ايضا يقول في كتابه “الطموحات الامبريالية 2005″:
” ان أمريكا مثل الامبراطوريات السابقة، تسعى للهيمنة العالمية، مما يؤدي الى مقاومة دولية وتأكل داخلي، ولا يوجد هناك استثناء”
ويُؤكد في مقابلة مع صحيفة “ذا ناشيونال ” الاماراتية عام 2022 انه:
“لا يوجد سقوط سلمي للإمبراطوريات، وأمريكا لن تكون الاستثناء”.
درس التاريخ
في القرن الخامس عشر، ظنّت إسبانيا أنها “إمبراطورية الشمس التي لا تغيب”، لكنها انهارت عندما أصبحت غارقة في الحروب والديون، واليوم تواجه أمريكا نفس المصير:
– عسكريًا: حروب لا تنتهي (أوكرانيا، شرق اسيا، الشرق الأوسط).
– اقتصاديًا: دولار يفقد هيمنته، ودين لا يمكن سداده.
– اجتماعيًا: شعب منقسم يعتقد أن عدوه هو نفسه وليس الصين أو روسيا.
اذن السؤال ليس “هل ستسقط أمريكا؟”، بل “متى ستسقط؟ … لان انهيارها بدأ منذ زمن”.


