في تموز ٢٠٢٥ أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، في خطوة أعادت إلى الواجهة توترا قديما بين واشنطن وهذه المنظمة الأممية. القرار الذي بررته الإدارة الأمريكية بما سمّته انحياز المنظمة ضد أمريكا وإسرائيل، وباعتمادها لأجندات مستيقظة مثيرة للانقسام الاجتماعي والثقافي، شكّل لحظة جديدة من إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في المنظومة الدولية.
اعتمدت إدارة ترامب في تبرير انسحابها على مجموعة من العوامل ذات الطابع الأيديولوجي والجيوسياسي. فقد اعتبرت أن اليونسكو تروّج لأفكار تتعارض مع الرؤية الأمريكية المحافظة، مثل سياسات المناصرة للعدالة الاجتماعية، ومعايير التنوع والاندماج، ومبادرات مناهضة العنصرية. ومن بين السياسات المثيرة لانتقاد الإدارة الأمريكية ما عرف بمجموعة الأدوات المناهضة للعنصرية التي صدرت عام ٢٠٢٣، ودعت إلى مراجعة الإرث الاستعماري والتمييز العرقي في السياسات الوطنية، ومبادرة تحويل عقليات الرجال التي طرحت عام ٢٠٢٤ كجزء من جهود اليونسكو لتغيير الصور النمطية للرجال والنساء. كما شملت الانتقادات إصدار تقرير حول ألعاب الفيديو ودورها في ترسيخ أو تفكيك الأنماط الثقافية التمييزية، وهو ما اعتبرته واشنطن انحرافا ثقافيا عن مهام المنظمة الأصلية.
إسرائيل كعنصر مفصلي في القرار
غير أن الأبعاد السياسية للقرار بدت أكثر تجليا في الاتهامات الأمريكية لليونسكو باتخاذ مواقف معادية لإسرائيل وموالية للفلسطينيين، حيث انتقد البيت الأبيض استخدام المنظمة لتوصيفات تعتبر الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة، وقيامها بتسجيل مواقع أثرية تدّعي إسرائيل بأنها تراثية يهودية على لائحة التراث العالمي الفلسطيني. كما اتهمت واشنطن المنظمة بتجاهل انتهاكات حركة حماس مقابل الإدانة المتكررة لإسرائيل. وارتبط ذلك بقراءة أوسع ترى أن اليونسكو أصبحت ساحة لتعزيز سرديات سياسية لا تتماشى مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
من جهة أخرى شكّل تصاعد النفوذ الصيني داخل اليونسكو عاملا حاسما في القرار الأمريكي، إذ أشارت الإدارة إلى أن الصين باتت ثاني أكبر ممول للمنظمة، وأن شخصيات صينية تحتل مناصب قيادية مؤثرة تُستخدم لتعزيز معايير عالمية تخدم مصالح بكين. واعتبرت واشنطن أن هذا النفوذ ساهم في تهميش روايات الأقليات، مثل الأويغور، في السرد التاريخي العالمي، وهو ما يشكل تهديدا لمصداقية المنظمة واستقلاليتها.
انسحابات متكررة: من ريغان إلى ترامب
يأتي هذا الانسحاب امتدادا لسياق ممتد من التوتر بين الولايات المتحدة واليونسكو. فقد أعلنت إدارة الرئيس رونالد ريغان في ٢٨ من كانون الأول عام ١٩٨٣ نيتها الانسحاب من المنظمة، ليصبح القرار نافذا في ٣١ من كانون الأول ١٩٨٤، على خلفية اتهامات للمنظمة بالتسييس ومعاداة حرية السوق والصحافة، والتوسع المالي غير المنضبط. واستمرت الولايات المتحدة خارج المنظمة حتى قرر الرئيس جورج بوش الابن العودة إليها، لتستأنف عضويتها الكاملة رسميا في الأول من تشرين الأول ٢٠٠٣، بعد تقييم بأن اليونسكو أجرت إصلاحات هيكلية واستعادت تركيزها على أهدافها التعليمية والثقافية والعلمية.
وفي تشرين الأول ٢٠١٧، وخلال ولاية ترامب الأولى، أعلنت واشنطن انسحابا جديدا من اليونسكو، خاصة بعد قبول فلسطين عضوا كاملا عام ٢٠١١، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى وقف تمويلها للمنظمة. استمر هذا الانسحاب حتى تموز ٢٠٢٣، حين قررت إدارة الرئيس جو بايدن العودة إلى عضوية المنظمة، مبررة ذلك بالحاجة إلى مواجهة النفوذ الصيني المتنامي، مع وعد بتسديد متأخرات مالية تجاوزت ستمئة مليون دولار. إلا أن هذه العودة لم تدم سوى عامين، حيث عاد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام ٢٠٢٥، وأمر في شباط بإجراء مراجعة شاملة لمدة تسعين يوما لعلاقة الولايات المتحدة بالمنظمة، تكللت بإعلان الانسحاب في تموز.
تعكس هذه الخطوة توجها أمريكيا يرى في المؤسسات الأممية منصات يُستغل بعضها لنشر قيم لا تنسجم بالضرورة مع السياسات الوطنية الأمريكية المحافظة. وهي رؤية تعتبر أن الانخراط في المنظمات الدولية يجب أن يكون وظيفيا ومتسقا مع أولويات السيادة والمصلحة القومية، لا استمرارا في شراكات قد تفضي إلى تآكل تلك المصالح. وفي المقابل يرى منتقدو الانسحاب أن القرار يمثل تراجعا عن دور الولايات المتحدة في صياغة المعايير العالمية، ويمنح خصومها الاستراتيجيين فرصة لملء الفراغ وتشكيل المنظومة الدولية وفقا لقيم مغايرة.
من هذا المنظور لا يمكن قراءة انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو بمعزل عن إعادة تشكيل النظام العالمي في ظل صعود قوى جديدة وتراجع الالتزام الأمريكي بالقيادة متعددة الأطراف. فالقرار يتجاوز خلافا حول منظمة ثقافية، ليمثل تعبيرا عن انكفاء استراتيجي يعيد تعريف دور أمريكا في العالم، وعن رؤية تفضّل التنافس الصريح على التعاون المتعدد.
وبينما تبرر واشنطن قرارها بذرائع تتعلق بالمصالح والسيادة، يرى آخرون أن العالم قد يخسر بانسحاب قوة كانت مؤثرة في مسار الثقافة العالمية لعقود.


