صراع الرؤى في زمن التحولات

صراع الرؤى في زمن التحولات
تشهد المنطقة إعادة تشكيل استراتيجية بفعل صراعات الرؤى الأمريكية بين التفكيك و الاحتواء، وسط صعود قوى إقليمية كإيران و روسيا، مما أفقد واشنطن سيطرتها و أدخل الشعوب كفاعلين رئيسيين في رسم خرائط المستقبل....

الشرق الأوسط بين خرائط الفوضى ومعادلات التهدئة

ان الأحداث التي تجري، في الشرق الأوسط، ليست سلسلة صدف متراكمة، بل فصول من خرائط مرسومة بعناية.

من أطروحات برنارد لويس، إلى توصيات بيكر-هاملتون، مرورا بنظريات كيسنجر… يتضح أن ما نشهده ليس اضطرابا عابرا، بل إعادة تشكيل واعية، لمركز الصراع الجيوسياسي في الشرق الاوسط.

هل ما يحدث اليوم صدفة… أم تنفيذا لخطة؟

حين نقرأ ما يجري اليوم من تفكيك السودان، واحتضار الدولة في لبنان، وتقسيم في سوريا وانقسام في العراق، وتحوّلات في اليمن، وتصعيد في فلسطين… تتجلى أمامنا بوضوح ملامح مشاريع قديمة بنيت منذ عقود.

لكن السؤال المحوري هو:

هل كان مشروع تقسيم الشرق الأوسط خيارا استراتيجيا أصيلا في العقل الأميركي، أم هو اضطرار تكتيكي فرضته إخفاقات السيطرة وتراجع النفوذ؟

وتكمن الإجابة على هذا السؤال في مقارنة بين رؤيتين أمريكيتين مركزيتين:

رؤية برنارد لويس: مشروع التفكيك على أسس عرقية ومذهبية، او ما يعرف اليوم بالفوضى الخلّاقة.

رؤية بيكر-هاملتون: محاولة ترميم الفشل الأمريكي في العراق، بالحوار الإقليمي، وتقليل التدخل العسكري، وتجزئة الازمات.

خرائط برنارد لويس – مشروع التفكيك والفوضى:

في تسعينيات القرن الماضي، طرح المفكر البريطاني الأمريكي برنارد لويس رؤيته المثيرة للجدل، وقد نسبت إليه لاحقا خرائط إعادة رسم الشرق الأوسط، التي تقسّم فيها الدول الكبيرة، إلى دويلات عرقية وطائفية.

أبرز ملامح خرائطه:

تقسيم العراق إلى 3 دول: شيعية، سنية، وكردية.

تفتيت سوريا إلى كيانات علوية، درزية، سنية، وكردية.

إعادة تشكيل إيران عبر استقلال أقاليم فارسي، عربي، بلوشي، وكردي.

تقسيم السعودية إلى مناطق حجازية وشرقية ونجدية.

خريطة جديدة لتركيا عبر دعم استقلال كردستان الكبرى.

والفكرة هي:ان الشرق الأوسط أكبر من أن يدار، لكن يمكن تمزيقه ليسهل التحكم به.

هذا المشروع أصبح لاحقا مرجعية، لسياسات المحافظين الجدد، الذين غزوا العراق في 2003، ودعموا فوضى ما يسمى “الربيع العربي” في 2011.

تقرير بيكر-هاملتون – سياسة الاحتواء:

بعد أن فشلت أمريكا في العراق، شكّلت إدارة بوش الابن، لجنة خبراء ترأسها جيمس بيكر ولي هاملتون، وأصدرت عام 2006 تقريرا من 79 توصية بعنوان:

“الوضع في العراق، الطريق إلى الأمام”

أبرز توصيات التقرير:

الانسحاب التدريجي من العراق.

إشراك سوريا وإيران في الحوار الإقليمي.

عدم الاعتماد على الخيار العسكري فقط.

الحفاظ على وحدة العراق كأولوية استراتيجية.

ودعا التقرير ضمنا، لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

جوهر التقرير:

أمريكا لا تستطيع الانتصار عسكريا… بل تحتاج إلى مقاربة شاملة، سياسية و إقليمية.

لكن، مع تصاعد نفوذ التيار الصهيوني، وسيطرته على سياسة الإدارات الامريكية منذ 2003، أجهض هذا التقرير سياسيا لصالح فوضى برنارد لويس الخلاقة.

 رؤية كيسنجر… بين التمزيق والتهدئة:

كان هنري كيسنجر، يرى أن المنطقة لا يمكن ضبطها بالقوة وحدها، ولا تركها تتحرك لوحدها! ولابد من تحقيق توازن مصالح بين القوى الإقليمية، مع تدخل محدود ومدروس من القوى الكبرى.

واتسمت رؤيته بــ “البراغماتية القاسية” وركزت على ما تراه واشنطن مصلحة استراتيجية، لا على ما هو أخلاقي، وقد اخذ:

من برنارد لويس، التحذير من “الانفجار الإسلامي”، لكنه رفض التقسيم الفوضوي الكامل.

من بيكر-هاملتون، تبنّى الواقعية، لكنه انتقد المبالغة في التفاؤل بإصلاح الأنظمة.

توصيات كيسنجر للشرق الأوسط:

تجميد النزاعات لا حلّها.

احتواء إيران لا محاربتها مباشرة.

دعم الأنظمة المستقرة والدولة المركزية (مثل العراق وسوريا ولبنان).

ضبط إسرائيل ضمن توازن إقليمي كي لا تشعل حروبا خارج السيطرة.

تقليل الوجود العسكري الأمريكي المباشر.

وقبل وفاته عام 2023، كان يقول:

“المطلوب ليس شرقا أوسطا جديدا… بل شرق أوسط يمكن التعايش مع اضطرابه”.

2025… هل تحقق مشروع لويس أم أخفقت أمريكا؟

الوضع اليوم:

العراق: دولة مستقرة نسبيا لكن تحت ضغط أمريكي وصراع إقليمي، غير مباشر.

سوريا: مقسّمة فعليا بين مناطق نفوذ (أمريكية، روسية، تركية، إسرائيلية).

لبنان: دولة على شفير الانهيار السياسي والاقتصادي.

فلسطين: معركة مفتوحة منذ 7 أكتوبر 2023، ومرشحة لحرب إقليمية شاملة.

اليمن: مقسم في الفعل، وهو يشتعل كجبهة اسناد لغزة تسيطر على البحر الأحمر.

السودان: ينهار داخليا مع احتمال التفكك الكامل.

هل هذا من نتائج خرائط لويس؟

جزئيًا، نعم… لكنها:

لم تنتج شرقا أوسطا على مقاسات أمريكية.

بل أنتجت شعوبا ممانعة، وصعود قوى غير “دولانية” مثل محور المقاومة.

وفقدت أمريكا قدرتها على ضبط المعادلات، ووقعت في مأزق توازنات معاكسة، برزت في حرب الــ (12) مع الجمهورية الإسلامية في إيران.

مَن يرسم خرائط المستقبل؟

لم تعد أمريكا تملك وحدها خريطة الشرق الأوسط.

لان فشل مشروع التفكيك حتى الان، وتعثر مشروع التهدئة، واصطدام واقعية كيسنجر بواقع جديد…أدى الى ظهور قوى جديدة غيرت المعادلات:

إيران ومحور المقاومة بصفته مشروع ممانعة يتمدد.

روسيا والصين كمنافسين عالميين جيوسياسيين واقتصاديين.

والولايات المتحدة، مع انها تعاني من فقدان السيطرة، لكنها لا تزال في اللعبة.

كما ان إسرائيل كقاعدة متقدمة للغرب في الشرق الاوسط تعيش اليوم في خطر وجودي لأول مرة منذ تأسيسها.

اخيرا:

ما بين لويس وبيكر وكيسنجر… تتدافع خرائط الشرق الأوسط.

لكن ما يرسم اليوم، لن يشبه ما خطط له ابدا، لأن شعوب المنطقة ستدخل للمعادلة كلاعب، لا كضحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *