تحاول الشاعرة نادية محمد عبد الهادي سبر أغوار عالم جديد في قصيدة النثر؛ فتحاول جاهدة أن تجدد بلاغتها، وتصنع صورا مدهشة بعدسة خاصة؛ لتعيد القصيدة إلى مواكبة التعقيد البشري المعاصر الذي أصبح متشابكا بتشابك المشاعر الإنسانية، وتواكب كذلك ذائقة المتلقي المعاصر اللاهث دوما وراء الفائدة الخالصة واللذة السريعة دون عناء أو مكابدة مجهدة أو صبر طويل لقراءة متون شعرية طويلة لكي يفوز ببيت القصيد؛ فتقول في أول القصائد:
تستظلُّ وِحدتي
أسفلَ شجرةِ خيالِكَ
عذرًا لا تقطعْها
هي كلُّ ما لديَّ منكَ
فحينما تتجسد الوحدة بهذا التصوير الاستعاري تطفر إلى المخيلة هذه الوحدة المسكينة المثيرة للشفقة والتي تحتاج إلى الظل، وأي ظل؟ إنه ظل شجرة الخيال، ثم الرجاء الضارع للحبيب – بطل القصيدة – بألا يقطع هذه الشجرة أيضا ؛ لأنها ثمالة ما تبقى منه ،
هنا ينتقل إلى المتلقي مدى إنفاق الذات الشاعرة كل ما لديها ، وبذلها لكل ما في وسعها للتمسك به ، ومدى قسوته وجفائه في البعد عنها وقطع صلاتها ، وتعلم جيدا مدى البعد ووهن العلاقة ؛ لذلك اقتبست من المعنى القرآني الذي يشير إلى وهن بيت العنكبوت ؛ فصورت البيت بأنه أوهن من بيت العنكبوت في ذيل القصيدة.
وفي المقطع الثاني : يأتي التأثر ثانية بالقرآن الكريم “فسرحوهن سراحا جميلا ” بقولها :” لا تسرح رجائي سراحا جميلا “، وهذا يدل على استغنائه التام ،فهو لا يعند ولا يحاول التمسك .فالسراح الجميل هو دليل رضا عما يفعل .
وتظل الذات الشاعرة في طريقها المتأثر بالثقافة الإسلامية الأصيلة ؛ فيطل علينا قميص يوسف الذي يحمل عبق الثقافة العربية الإسلامية بكتابها الكريم في كثير من المواضع؛ فتقول بالمقطع الثاني ؟
اتركْ لي شيئا من قميصك
وخصلةً من شعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرِك
ومنديلًا عليه بقايَا من عطرِك
أنتَ ممحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاةٌ لذنبي
طفلُ العمرِ المدلَّلُ
لا تغلقْ ممراتِ الحبِّ
بأسلاكِكَ الشائكةِ
فها هو القميص والمنديل والأسلاك الشائكة ،كل هذه المفردات قريبة جدا من المتلقي الذي يتطلع لمثل هذا في قصيدة النثر حتى لا تكون القصيدة منفصلة عن عالمها العربي ،مستوردة بقالبها ومفرداتها من الغرب ،فابتعدت عن كيوبيد وسيزيف ،وغيرها من مفردات الغرب ،فالشعوب لا تنسجم إلا مع ثقافاتها وفنونها وتراثها .
ولها مفرداتها الجميلة والجديدة مثل : رصاصة الغياب وأرصفة الروح …وغير ذلك من الصور المعاصرة الجديدة التي تضخ الدماء في شرايين القصيدة ، حيث تقول :
كلَّ ليلةٍ أسيرُ على أرصفةِ الروحِ
أُشعِلُ لكَ مصابيحَ الغدِ
أعلمُ أنكَ مصابٌ بداءِ النسيانِ
حينما تنطقُ بحروفي
كم من مرةٍ تغلقُ البابَ
خلفَ الحكايةِ
وكم من مرةٍ أتلو الزلزلةَ
لتخلخلَ أركانُ عنادِكَ
فرصةً واحدةً
“أتلو الزلزلة لتخلخل أركان عنادك ” بوح جديد بلغة جديدة وأصيلة ،وهذا الاتجاه لافت للنظر في الديوان كله ،كيف تكون شاعرا لقصيدة النثر بذائقة عربية إسلامية أصيلة . ذاكرة تعي التراث العربي والمعتقد الإسلامي أو السماوي عموما ،وكاميرا تصويرية تمتاح من البلاغة العربية من نبعها الصافي الرائق الأصيل. ولا تمد عينيها إلى مفردات الغرب ورموزه وأساطيره .
إن دهاليز القصائد مفعمة بالأصالة والمعاصرة معا ،تحمل القنديل والكاميرا الرقمية. تحمل القرآن ومعطيات القوالب الغربية . تجمع بين الثلج والنار في إناء واحد، ويسير الديوان في نسيج واحد متفرد في عالم قصيدة النثر ، فتقول في موضع آخر :،
تلمعُ إسورةُ روحيُ
أشعلُ فتيلَ الشوقِ
فتذوبَ أوصالُ السكونِ
تثورُ عيونُ الماءِ بالقلبِ
يُزهِرُ الريحانُ والبنفسجُ
على جلدي
تتوالى الصور بكثافة ، ودون تكلف ،وكلها صور بديعة جديدة مدهشة رقيقة تعانق مدارات الأنثى الحقيقية المفعمة بإحساسات الشرق العبقة البعيدة عن التكلف الممقوت ، والصور المجلوبة .
فالروح لها إسورة تلمع وتبعث الألق في كل مكان ،وللشوق فتيل يشتعل ويحترق حتى يأتي بدفقات إيحائية تستقطر كل ما في اللغة من معان تتدفق بين السطور ِ عندها تذوب أوصال السكون – حين تكون للسكون أوصال – فالإدهاش مستمر فعندما تنفجر عيون الماء في القلب ؛ تزهر الرياحين على الجلد ،إنها طريقة العزف بالكلمات والنقش التشكيلي بالصور ، وخيال الأنثى المخملي ينساب رقيقا بين جنبات الصور والأخيلة فيجعل القصيدة تنساب بسلاسة إلى الوجدان كما ينساب العطر الهادئ إلى النفس ؛ فيدركه المخ ، ويتلذذ به دون إزعاج أو انتفاض ، وتقول بالمقطع الرابع:
دفتر صور
أتحسسُ فيه
بِأناملي عُيون الماء
أضغطُ بِكفي
على مواضع الحنين
فتصرخ ،
زهرةً حمراء
، دفتر يرسمُ لقاء
الذكريات
إنها تتحسس ألبوم الصور بأناملها لتدرك أنها تعابث ينابيع الماء بعدة الصور ، ولعل ينابيع الماء هي سيال العواطف والذكريات المنبعث في الذات عند استرجاع الذكريات ، وتتجسد الصورة أكثر وأكثر حين تضغط بكفها مواضع الحنين ؛ فتصرخ الكريات ،إنها بالفعل ليست مجرد استعارات أو كنايات أو مجازات مرسلة بل بلاغة جديدة بالفعل تمتاح من سر الفصاحة القديم في رداء عصري يكتب بماء العاطفة الصادقة والخيال الجامح .
وكان رد الفعل أن تجيبها تلك الزهرة الحمراء رمز الحب بعد أن تجاوبت الذكريات معها وصنعت دراما الإحساس من خلالها ،وحين تفرغ لآلتها الموسيقية نسمعها تقول :
الصَّباح كهل ،
قطار الليل مسروق
أُلوَّحُ لِعيون الشمس
فتضحكُ مِن غُربتي
أُداعبُ بنات القمر
فيقترفن ذنب
امرأةِ العزيز
أدور في حلقات
حول الروح
أنسلخ من رِداء الأمُنيات
قطعة فقطعة
كل سطر شعري منتقى بعناية،وكأنها حبات اللؤلؤ تنساب متجانسة متراصة في خيط حريري واحد ،الصباح كهل ، الصباح يشيخ ، ذلك التشبيه البليغ الذي يقف شامخا في بداية الدفقة الشعرية ، ثم الاستعارة المكنية ( الصباح يشيخ ) فتتوالى الصور برقة وأريحية حتى نصل إلى ” قطار الليل مسروق” ، وبذلك ترتسم الخلفية المرئية للحدث المحزن حين تلوح هي لعيون الشمس فتسخر منها ،وحين تناجي بنات القمر فيأتمرن بها كأخوة يوسف ،وها هي العودة للمعجم القرآني المقدس ،قمة البلاغة عبر العالم وقمة التبليغ في العالم الكائن ،فالتأثر لا يأتي متكلفا ولا مجلوبا بل هو ينساب كما ينساب الماء من خلايا أباريق الفخار المملوءة بماء رائق .
وحين تعطيك الحكمة في ثوب جديد حيث يسري الشجن في أوصال الكلمات فتقول :
يدقُّ الشيبُ
بكلتا يديه
على القصيدة
النهرُ شيخ حكيم
تعلمَ فنونَ السكوتِ
في وجه الغبار،
على أريكةِ خالية
يهذي الحبُّ
فحين يتجسد الشيب ويدق بكلتا يديه على باب القصيدة أمام النهر الحكيم ،وأمام هذه الخلفية المسموعة البصرية ، وأمام صوت الحكمة ِ،تأتي المفارقة صارخة بهذيان الحب أمام هؤلاء الحكماء.
وحين تصور هجوم قطار العمر على ذات الأنثى التي بدأ الخريف يهددها بورقه الأصفر ؛ فتأتي التجربة معبرة جدا فتقول ،
أكرهُ كلمة : (tant) ،
تُذكرني
بالخريف الذي
يُداعِبني
أتلعثم حين يسألني
عن عدد شُموعي
أشعرُ بِالحرج
حين يهتم بِأخرى
أُدبدب بِقدمي
مِن الغيرة
أُلوحُ بإبتسامة
كسيحة
ها هي بكلمات قليلة وصور منتقاة لخصت أزمة حواء حين يجري بها قطار العمر وتشعر، بأن أسلحتها تتراجع؛ فتتأوه صارخة في وجه قطار العمر وتكره كل مفردات الشيخوخة الزاحفة نحوها على ألسنة الآخرين حتى الأطفال ، وحين توظف العدسة الشعرية الخاصة بها ؛فتقول :
المد يقتل الخيال الطازج
الجزر يسحب أُمنية ،
البحر يُكابر
يلطمه الموج
بِغرور
الشَّاطئ هُناك
لا يرتدي شماسي
القصيدة
أُرقب السَّماء الزرقاء
وهي تُهدهد قُطنها
اخطفُ قطعة بِخيالي
أضعها بِحجري
تأخذُني في رِحلة
للشَّمس
أُعانق بِها القمر،
فهذه عدسة خاصة نستطيع القول بأنها عدسة ذات خيال مركب ،أخاذ يحمل قلب طفل يطارد الفقاقيع الملونة في ضوء الشمس ،فالخيال طازج ، والبحر يكابر ،والموج يلطمه بغرور ،إنها خيالات وتركيبات طازجة ،تحمل تجديدا يليق بالقصيدة المعاصرة داخل جدائل لغوية فريدة تصنع بلاغتها الخاصة في عالمها الجديد .
وإذا استسلمنا لهذا العزف الجميل سنضطر إلى إيراد قصائد الديوان بأكمله ؛ لذلك أدعوكم إلى قراءة هذا الديوان الرائع فهو بمثابة شهادة ميلاد لقصيدة النثر العربية الواضحة.


