انهيار شرعية الصندوق وبداية معركة التمثيل الحقيقي للشعب العراقي

انهيار شرعية الصندوق وبداية معركة التمثيل الحقيقي للشعب العراقي
ينتقد الطرح العملية الانتخابية في العراق باعتبارها أداة لإعادة إنتاج النفوذ لا التغيير الحقيقي، مع تصاعد فقدان الثقة الشعبية، والدعوة إلى بناء تيار وطني منظم قادر على فرض إرادة الشارع وإعادة تعريف الشرعية السياسية خارج منظومة الفساد والمحاصصة...

منذ اكثر من عقدين والشعب العراقي يذهب الى الانتخابات بوصفها الطريق المفترض للتغيير لكنه يعود في كل مرة محملا بخيبة اكبر من سابقتها لان ما يجري لم يكن انتقالا ديمقراطيا حقيقيا للسلطة بل عملية اعادة تدوير منظمة للنفوذ والوجوه والمصالح تحت غطاء دستوري هش صمم ليمنح الشرعية لمنظومة عاجزة عن انتاج دولة وقادرة فقط على انتاج الازمات.

الانتخابات في العراق لم تعد تمثل ارادة شعب بقدر ما اصبحت اداة لقياس حجم النفوذ بين القوى المتحكمة بالمشهد ولهذا حين عجزت الطبقة السياسية عن انتاج رئيس وزراء من داخل توازناتها التقليدية جرى الاتيان بشخص من خارج اللعبة السياسية لادارة المرحلة وهذا الحدث بحد ذاته اسقط الرواية الرسمية التي ظلت تتحدث عن التداول الديمقراطي وكشف ان القرار النهائي لا تحسمه صناديق الاقتراع وحدها بل تحسمه معادلات القوة والتوافق والضغط الداخلي والخارجي.

هذه الحقيقة التي حاولت السلطة اخفاءها لسنوات باتت اليوم واضحة امام الشارع العراقي فلم تعد الجماهير ترى في الانتخابات اداة خلاص بقدر ما تراها مسرحية مغلقة النهاية تعاد فيها كتابة النتائج قبل بدء العرض ولهذا تراجعت الثقة الشعبية بشكل خطير واصبح العزوف الانتخابي موقفا سياسيا صامتا يعبر عن رفض جماهيري واسع للمنظومة كلها لا لبعض اطرافها فقط.

لكن اخطر ما في المشهد ليس فقدان الثقة بل استمرار غياب المشروع البديل فالشارع يمتلك الغضب والطاقة والقدرة على التغيير لكنه يفتقد حتى اللحظة القيادة الوطنية المنظمة القادرة على تحويل هذا الرفض الشعبي الى قوة ضغط استراتيجية تفرض ارادة الناس على الطبقة السياسية دون الحاجة الى الذوبان داخل منظومتها الفاسدة.

التجارب الحديثة اثبتت ان السلطة في العراق لا تستجيب للانتخابات بقدر ما تستجيب للضغط المنظم وحين تشعر القوى المتنفذة ان الشارع تحول الى كتلة موحدة تمتلك خطابا واضحا واهدافا محددة فانها تضطر الى تقديم التنازلات ولو مرغمة تماما كما حدث حين فرضت ظروف الشارع والتوازنات المعقدة شخصيات لم تكن جزءا من اللعبة التقليدية وكما جاء الزيدي وغيره بقرار فرضته الضرورات لا نتائج الانتخابات فان الشعب ايضا قادر على فرض معادلته الخاصة اذا امتلك القيادة الواعية والتنظيم الصلب.

المطلوب اليوم ليس ان يكرر العراقيون اخطاء الماضي بالدخول الى لعبة تتحكم بقواعدها قوى تمتلك المال والسلاح والنفوذ والاعلام بل المطلوب بناء تيار وطني ضاغط يقف خارج الاصطفافات التقليدية ويعيد تعريف الشرعية السياسية على اساس تمثيل الناس الحقيقي لا على اساس عدد المقاعد والصفقات المغلقة.

هذا التيار اذا نجح في جمع الجماهير حول مشروع وطني واضح فانه لن يكون مجرد حالة احتجاج عابرة بل سيتحول الى قوة ردع شعبية تفرض على الجميع احترام الارادة الوطنية وتمنع استمرار احتكار السلطة والثروة بيد طبقة سياسية 54البلاد وانهكت المجتمع ودفعت العراق نحو الانقسام والضعف والفوضى.

المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة انتخابات بقدر ما ستكون مرحلة صراع على تعريف من يملك حق تمثيل الشعب فعليا وهل يبقى القرار بيد منظومة تتقاسم الدولة منذ سنوات ام ينتقل الى شارع ادرك اخيرا ان صوته لا قيمة له ما لم يتحول الى قوة منظمة تمتلك رؤية وقيادة وهدفا واضحا.

ولهذا فان الفرصة الحالية قد تكون الاخطر والاهم منذ عام 2003 لانها المرة الاولى التي تنكشف فيها العملية السياسية بهذا الشكل العاري امام الناس وتسقط فيها كل الشعارات التي استخدمت لتبرير الفشل والفساد والتبعية وحين تصل الشعوب الى هذه المرحلة فانها اما ان تعيد بناء مشروعها الوطني بوعي وقوة واما ان تبقى اسيرة دوامة الانهيار التي لا تنتهي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *