تقنيات البناء وآليات التلقي في قصيدة النثر المعاصرة

تقنيات البناء وآليات التلقي في قصيدة النثر المعاصرة
إذا كان الشعر يتفرد بخصائص قارة في بنيته الكلامية ، " ويتميز بتجسده القولي في تشكيلاته التصويرية ، حيث تعكف اللغة على خلق وشائج تستبطن دائرة الكون الشعري ذي الطابع الفريد والمتميز ، فلا ينفي ذلك ...

إذا كان الشعر يتفرد بخصائص قارة في بنيته الكلامية ،  ” ويتميز بتجسده القولي في تشكيلاته التصويرية ، حيث تعكف اللغة على خلق وشائج تستبطن دائرة الكون الشعري ذي الطابع الفريد والمتميز ، فلا ينفي ذلك ـ أو يُناقضه ـ إن هناك ما يمكن أن يُسمى روحًا شعريةً تكمن فيما نسميه شعرًا ، وكذلك فيما نسميه نثرًا ، بل إن هذا الشيء الذي يُسمى بالروح الشعري ليست وسيلته الكلمات فقط ، بل من الممكن أن نتحدث عنه من خلال رمزية الأصوات الموسيقية بل من خلال رؤية ما يمكن أن يُسمى بلغة النحت أو الرسم أو فن العمارة أيضًا ، وإن كان ذلك كله يمثل روحًا غامضًا ولكنه موجود بكل تأكيد (1)

فالشعرية مادة مشتركة بين جميع الفنون والأجناس الأدبية ، لذلك نشأ مصطلح  ” الشعر مثل التصوير ” ، وهذه العبارة قد ظهرت في قصيدة ” فن الشعر ” لهوراس والتي أصبحت بمثابة إحدى قواعد النقد الأدبي منذ عصر النهضة في أوربا ، ومعناها بعبارة عامة أن تلك العناصر التي تُعد سر نجاح التصوير هي بعينها التي يجب أن تتوفر في الشعر ، وأول مَن علّق على هذه العبارة عالِم يوناني (من القرن الثالث أو الخامس الميلادي) ، يُدعى أكرون ” Acron” الذي ضم إلى تلك العبارة الفعل اللاتيني (erit) الذي يعطي معنى ” يجب أن يكون ” ؛ فأصبحت العبارة : ” لابد أن يكون الشعر مثل التصوير ” ، وبهذه الحتمية دخل هذا المصطلح النقد الأدبي منذ عصر النهضة ، وقد ساعد على إيجاد نظرية فنية في محاكاة الطبيعة محاكاة تتفق والمظاهر الخارجية للأشياء بصرف النظر عن القواعد المجردة المتوارثة الخاصة بالإبداع الشعري ، كما أنه ساعد على دفع النقاد إلى التفكير في الموازنة بين الفنون المختلفة التي سُميت بهذه المناسبة ” أخوة الفنون “.(2)

وهناك أسبابٌ أخرى تؤكد تآخي الفنون  مثل : ظهور فني تاريخ الفن وفلسفة الفنون منذ أوائل القرن العشرين ، وقد قامت هذه العلوم على أسسٍ منهجيةٍ واضحةٍ تحاول تحليل العناصر الجمالية في أغلب الفنون تحليلاً يُظهر أوجه الشبه والاختلاف بينها ، وكذلك نجد  من ضمن هذه الأسباب أيضًا تقدم النظريات اللغوية الحديثة التي تغلغلت في النقد الأدبيِّ وفي علم الأسلوب الحديث لتبحث بدورها دلالات الإشارات العامة في اللغة وغيرها لإيجاد قواعد عامةٍ تفسر تلك الدلالات طبقًا لدستور الرموز والإشارات الذي يسمو فوق تفرقة الفنون والآداب ، كما أن نظرية الأساطير الدالة التي استمدها النقد الأدبي من علم النفس تساعد بدورها على إيجاد التشابه بين موضوعات الشعر وموضوعات التصوير ” (3)

وإذا كانت الشعرية عاملاً مشتركًا بين الفنون ، فإنها تتشكل بأبنيةٍ مختلفةٍ حسب طبيعة كل فن وتقنياته وأدواته الخاصة ، وهذا يجعل تبادل التأثير قائمًا بين هذه الفنون  كلها ، ” ويتوقف نجاح هذا التأثير والتأثر على مدىٰ قدرة الفنان على إقامة الوحدة الكلية لعمله الفنيِّ بحيث تذوب ثنائية الاستفادة في صلب الفن المستفيد ، وحتى لا يحدث تنافرٌ يُبرز قلق تلك الثنائية التشكيلية داخل العمل الواحد ” (4)، وقد وجدنا أن بعض كُتاب رواية تيار الوعي قد خلطوا بين الخط السرديِّ الروائيِّ والشعر الدراميِّ مثل الروائي الأمريكي ” والدو فرانك ” الذي ضمَّن رواياته كثيرًا من الشذرات الشعرية التي تخدم الأحداث الروائية . (5)

وعلى هذا ، لم يلتزم الرومانسيون بالتحديدات الصارمة بين الفنون ، فخلطوا بين أشكالٍ عديدةٍ منها ، وكانوا يرونها طيفًا من الألوان المتداخلة التي تتدرج في قوتها ولونها ولا يمكن فصلها إذ تتماسك و تتفاعل تفاعل العواطف البشرية ” فالفنان سواءٌ كان رسامًا أو مثَّالاً أو حتى مهندسًا معماريًّا يتناول الأشياء كما يتناولها الشاعر أو القاص على نحوٍ يجبر العين على التوقف ، ونشدان المتعة في الرؤية ، كما يجبر الآذان على الاستماع لمجرد الاستماع ، والعقل على التلهف إلى لذة الاكتشاف التي لا تسعىٰ إلى منفعةٍ مباشرةٍ  ” . (6)

فثمة اتحادٌ في قنوات التلقي يجعل للمتلقين اتحادًا في الهدف من تذوق الفنون الأدبية وغير الأدبية ، فشعور المتلقي بقصيدةٍ هو الشعور نفسه الذي ينتاب المتأمل للوحةٍ فنيةٍ أو هيكلٍ معماريٍّ بديعٍ أو المستمع لقطعةٍ موسيقيةٍ .. ، ” وهذا ما تؤكده فلسفة الفن والنقد الحديث من أن قراءة القصيدة تتساوى مع تأمل اللوحة ؛ لأنهما إعادة خلق لهما ، فالقصيدة والصورة يمكن أن توحي كلتاهما بعددٍ من الدلالات بقدر ما يُتاح لهما من قراءاتٍ ، ومن الطبيعيِّ بعد هذا أن تكون قصيدةُ الصورة حقيقةً ، وصورة القصيدة أيضًا حقيقة ؛ لأن الشعر تصويرٌ ناطقٌ ، والتصوير شعرٌ صامتٌ ، والتفاعل بين الفنون يُحفّز على مزيدٍ من الإبداع في الفن ونظريته على السواء ” . (7)

لكن هذا التأثير المتبادل بين الفنون وبعضها من ناحيةٍ ، وبين الشعر وتلك الفنون من ناحيةٍ أخرى لا ينفي الفوارق والحدود بينها ، ولن يؤدي هذا التداخل في يومٍ ما إلى ذوبانها أو إلغاء سماتها وتقنياتها الخاصة ووسائلها التعبيرية ، ومن ثم ، فإن لكل فنٍّ حدوده فإذا تجاوزها إلى ما سواها من غير تدبرٍ لما يود مِن تجاوزه ، أو من غير تيقُّظٍ إلى الذي يجب أن يتوقف عنده ؛ فسوف يتعرض لمخاطرَ كثيرةٍ .

فتلاقح الفنون لا يُقلِّص عددها أو ينفي بعضها ، بل على العكس ، يمكن أن يؤدي إلى نشأة أنواعٍ جديدةٍ منها لم تكن معروفةً من قبل ، فظروف كل عصرٍ قد تُنتج معالجاتٍ غير مألوفةٍ ؛ فتتولد متغيراتٌ جديدةٌ على المستوى الإبداعيِّ والتعبيريِّ ؛ فيتم استحداث شكلٍ جديدٍ من أشكال الفن ،       والفنون الأولى ليست أزليةً ، وإنما نشأت نتيجة متغيراتٍ فنيـــــةٍ أو اجتماعيةٍ أو نفسيةٍ روحيةٍ ؛ “ونتيجةً لتحولاتٍ فنيةٍ متعددةٍ وانتقالاتٍ تقنيةٍ متباينة ، تميزتْ لغة الشعر الحديث بتلك الأشكال الحوارية الممتزجة بالنزعة القصصية والمسرحية حيث تتداخل الأصوات وتتناثر أمشاجٌ من الحوار ، وتقتحم القصيدة شخوصٌ جانبيةٌ تضيف أبعادًا مهمةً في بنية الشكل الدراميِّ للقصيدة “. (8)

وبناءً على ما تقدّم. نستطيع التقرير بذوبان الحدود بين الشعر والنثر، من حيث كونهما تمظهرًا أدبيًّا، ومحاولة العثور على تمييز موضوعيّ ومقنع بينهما، تنطوي على مصادرات كثيرة ولا سيّما أننا بتنا نشهد ظهور تياراتٍ شعريّة كرّست ميوعة الحدود بينهما، بتخفيفها من القيود الوزنيّة والقوافي، أو بإلغائها، كما هي الحال في الشعر الحرّ وقصيدة النثر. وفي هذا السياق يكون النثر الذي يقابل الشعر، ويمتزج بهِ في حالته الأدبيّة، مفروزاً عن الكلام اليومي المتداول، الذي يتحدّد بوظيفة توصيلية ، تهمل فيها الخصائص البنيويّة. وتتمخّض عن هذا التصوّر مقابلة بين (شعر/نثر)، تقوم على جعل الإيقاع حدّاً فاصلاً بين ما هو شعر وماهو نثر. وهذا ما دفع بعض الدارسين إلى عدّ هذا الفصل تعسّفيّاً وتجزيئيّاً.” (9)

 

من هنا، كان من اللازم البحث عن وسيلةٍ من شأنها ترسيم الحدود بين ما يصحّ أن نطلق عليه شعراً وما لا يصحّ عليه ذلك. فالفيصل بين الشعر واللاشعر، هو ما تمّ التواضع على إطلاق مصطلح الشعريّة عليه. وبغية إيضاح ذلك، لا بدّ من الركون إلى تحليل الأدب كميّا ونوعيّاً، فـ “إنّ هناك من الناحية “الكميّة” طريقتين في التعبير الأدبيّ: الوزن والنثر، ومن الناحية النوعيّة أربع طرق:

 

أ-التعبير نثريّاً بالنثر. ب-التعبير نثريّاً بالوزن.
ج- التعبير شعريّاً بالنثر. د- التعبير شعريّاً بالوزن.

وهذا يوصلنا إلى القول : بأنّ الفرق بين الشعر والنثر ليس في الوزن، بل في طريقة استعمال اللغة.” (10) ، وبعبارة أخرى “فإن استخدام منطق النحو هو الذي يميّز اليوم من حيث المظهر على الأقل النثر من الشعر. فالشعر هو اللغة التي تضحّي إن كثيرًا أو قليلاً بالنحو لحساب قيمة الكلمات الذاتيّة والتقاءاتها. والنثر هو اللغة التي لا يفقد فيها النحو حقوقه.” (11)

وقد أفاد الشعراء الجدد من ذلك في تطوير مستويات البناء والتشكيل في القصيدة المعاصرة فازدادت القصيدة غنىً ، وتعمقت قدراتها التعبيرية وأصبحت ترتاد آفاقًا لم تكن تعهدها من قبل ، فالفن الشعريُّ قادرٌ على استيعاب كثيرٍ من الإمكانات والتقنيات التي تستخدمها الفنون الأخرى  مع الاحتفاظ بكيانه الخاص ، ووسيطه المتميز .

والخطاب الشعريُّ الحديث يميل إلى توظيف تقنياتِ عصره حتى يتسنىٰ له تجسيد الرؤية الشعرية الحديثة بما فيها من تشابكٍ وتعقيدٍ ، ولجوء الشاعر إلى هذا البناء الشعريِّ المركب ليس نوعًا من الإغراب أو الحذلقة الفنية وإنما هو استجابةٌ لضرورةِ التعبير عن الرؤية الحديثة التي لم تعد خيطًا شعوريًّا بسيطًا وواضحًا مثلما كان في الماضي ، وإنما أصبحت جديلةً شعوريةً متماسكةً ومتشابكة الخيوط ، فهي مزيجٌ من المشاعر والأحاسيس والرؤى المتشابكة ، ومثل هذه الرؤية الخاصة تحتاج إلى بناءٍ فنيٍّ مُعقدٍ ومُتشابكٍ مثلها ؛ ليستطيع تجسيد أبعادها المختلفة . ” والعلاقة بين الفن الأدبيِّ والتقنية الجديدة في العصر الحديث علاقةٌ جليةٌ ، ولا مناص منها والتقيد بأساليبها ، إذا ما أردنا أن نكون مسايرين لروح العصر في حياتنا الأدبية ” .(12)

فلكل عصرٍ من العصور سماتٌ خاصةٌ تميزه عن غيره ، وهذه السمات تفرض نوعًا من التوجه والاهتمام من قِبل القراء والجماهير ، ومن ثم لا يكون عجيبًا أن نجد اهتمامًا بشيءٍ ما من قِبَل كثيرٍ من المبدعين والمتلقين على السواء ؛ لأنهم جميعًا تشربوا روح عصرٍ واحدٍ وانصهروا في بوتقةٍ ثقافيةٍ وحضاريةٍ واحدةٍ .” وقد كانت كلمة (Art) تشمل عند الإغريق كثيرًا من الفنون ما عدا الشعر، فكان الظن الشائع أن الشعر تنقصه السمة المميزة للفن ؛ لأنه يبدوـ في نظرهم غير خاضع للقواعد بل كان يبدو وكأنه أمرٌ يتعلق بالإلهام وبقدرة الفرد على الإبداع ، وكانوا  يرون أن هناك علاقة نسبٍ بين الشعر والنبوة ، وهذه العلاقة أكثر وضوحًا من علاقة الشعر بالفن ، فالشاعر عندهم كان مُلهَمًا وصانعًا فنيًّا في وقتٍ واحدٍ مع تفوق الأولى على الثانية ” .(13)

ثم أخذ الشعر طريقه لينضم إلى الفنون الرفيعة أو الجميلة : ((Art حيث جاءت الخطوة الأولى على يد أفلاطون الذي حاول إدراج الشعر تحت قائمة الفنون ” لكنه صنف الشعر إلى نوعين: الأول وهو النوع الذي سماه ” بالسورة الشاعرة ” أو الشعر الهذياني ، والثاني وهو شعر المهارة الأدبية أو الشعر التقني ، والنوع الثاني ـ في رأيه ـ هو الذي يندرج تحت قائمة الفنون ، أما النوع الأول فلا يمت للفن بصلةٍ ، أما أرسطو وخلفاؤه فلم يترددوا في وضع الشعر عمومًا في مصاف الفنون” .(14)

وإذا تتبعنا علاقة الشعر بالفنون الأخرى  ووجهات النظر المتباينة عند الفلاسفة وعلماء الجمال والنقاد ، على مر العصور، فسوف نحتاج إلى عشرات الصفحات ، ويتشعب بنا البحث بعيدًا عن نطاق القصيدة المعاصرة التي تعد الهدف الأساس لهذه الدراسة ، فليس هنا مقام الاستفاضة في ذلك ، لذا فقد اكتفت الدراسة بما يفيد موضوع البحث فقط ، وهو الشعر الحديث وتأثره بتقنيات عصره الفنية ؛ ” لأنه عصرٌ تسوده الخبرة الفنية ، الأمر الذي لم يتحقق على هذا النحو في أي عصرٍ مضى ، وليس طبيعيًّا أن تُتناول مضامين جديدةٌ بخبراتٍ فنيةٍ قديمةٍ ، فالخبرة تفرض إطارها وتختاره ، ومن هنا تسقط دعوى أن خبرتنا الفنية القديمة في ميدان الشعر تكفي مضامين حياتنا   الجديدة ، وكذلك يسقط الزعم بأن الإطار الشعريَّ القديم يقبل كل المضامين الجديدة ، ولا يعجز عن تحمّلها ، فالحياة قد تغيرتْ في مضمونها وإطارها ، وهي تتغير في كل مكانٍ بتقدم الزمن ، فكان لابد أن يتغير معها إطار التعبير وفلسفة الشعر الجديد التي تقوم على حقيقةٍ جوهريةٍ هي أننا لا نشدُّ المضمون على القالب أو نضعه في الإطار ، وإنما نترك المضمون يحقق لنفسه وبنفسه الإطار المناسب” . (15)

ففي عصرنا هذا ، غزت الآلة قدرة المبدع وزاحمته سر مهنته ، وأثرت في فنه وإبداعه وطرائق تعبيره ، ويرى بعض النقاد أن دخول هذه التقنيات الحديثة في عمليات إبداع الفنون بالذات ” ستجعل الفنان أو المبدع عبدًا لها بإمكاناتها الهائلة وخاصةً تقنيات المسرح والسينما ، في حين يرى نقادٌ آخرون أنها ستكون من العوامل التي تساعد المبدع على تحقيق رؤيته في يُسرٍ وسرعةٍ ، كما أنها ستكسر رتابة استخدام هذه الفنون بشكلها التقليديِّ  ” .(16)

وتميل الدراسة إلى الرأي الثاني ؛ لأن التقدم في فنٍّ ما يؤدي إلى تطور الفنون الأخرى ، كما سبق تفصيله ، والتأثر بتقنيات الفنون المعاصرة  يمثل مجموعة من الوسائل التي يستعين بها المبدع وليست غاياتٍ في حد ذاتها ، وهذه التقنيات ذاتها وراءها مبدعون آخرون يحركونها بموهبتهم وقدراتهم الإبداعية وإذا استعان بها الشاعر، فهي مجرد وسائل لا تلغي مواهبه الخاصة .

وعلى هذا ” فالشاعر بوصفه مبــــــــــــــــدعًا يعيش وسط مجتمعٍ يعتمد على التقنية الحديثة في شتى المجالات ؛ لذلك فهو  مطالبٌ بشحذ أدواته الفنية وإرهافها لتحقيق أقصى مدى مستطاعٍ لها من الحساسية والقدرة على استيعاب الأبعاد المركبة المعقدة لرؤيته الجديدة ـ سابقة الذكر ـ فيجب عليه أن يسترفد الفنون الأخرى من أدواتها ما تقصر الوسائل الشعرية الموروثة عن استيعابه من أبعاد رؤيته ، ومطالبٌ أيضًا أن يُخضع ما يستعيره من التقنيات والأدوات لطبيعة الخطاب الشعريِّ بوصف الشعر فنًّا متميزًا له شروطه الفنية الخاصة” .(17)

فالشعر المعاصر يحاول تفعيل معطياته حتى يفوز بأكبر قدرٍ ممكن من الجاذبية الجمالية ، وسبب هذا التحول في الخطاب الشعريِّ ” هو موجة الحساسية اللغوية  الجديدة ، فالشاعر يُقيم عالمًا موازيًا للعالم الخارجيِّ في النص الشعريِّ ، وليس نسخةً منه أو صورةً   له ، ولكنه لا ينفصل عنه من حيث مواد التشكيل ، أو استهداف تجارب تحدث في الواقع ” . (18)

والوسيط التقنيُّ الذي تُوضع فيه المادة الشعرية أو الأدبية عمومًا يتحكم في كيفية صياغتها وطريقتها في الخطاب حتى تُناسب نوعية الفن وتُناسب أيضًا طبيعة المتلقي وظروف عصره ، فالجالس في المسرح يشاهد مسرحيةً ويرى أبطالها يتفاعلون معًا بشكلٍ مباشرٍ ، يختلف عن الجالس في قاعةٍ مظلمةٍ يشاهد فيلمًا سينمائيًّا ، ويختلف أيضًا عن المستمع لقصيدةٍ شعريةٍ يُلقيها شاعرٌ على منصةٍ أو من خلال الإذاعة حين تصاحبها مؤثراتٌ صوتيةٌ ، ويختلف أيضًا عن قارئ القصيدة مكتوبةً بأية طريقةٍ خطيةٍ أو غير ذلك من الوسائل والوسائط المختلفة .

ومن هنا نستطيع أن نقول : ” إن الكتابة الخطية لم تعد وحدها ذاكرة البشرية من الآن فصاعدًا ، فقد أصبحت تُنافسها كتابات الصوت والصورة بما تستأثر به من معالم الحياة الحركية ، ومن ثم فإننــــــــا نتوقف في الزمن إن لم نمدّ أفقنا ليستوعب هذا النتاج في مكتبة اليوم ” (19) التي أصبحــت تزدحم بأقراص الليزر وشرائط الفيديو ، وحاملات المعلومات العملاقة ، والآلات المختلفة لاستعراض وفهرسة وبحث المعلومات وترتيبها في سرعةٍ ودقةٍ فائقةٍ .

فالإحساس الجماليُّ المعاصر أصبح مختلفًا عن العصور الماضية ؛ لأن الذاكرة البصرية للإنسان أصبحت أكثر نشاطًا عما مضى ؛ لذلك تنجح التقنيات التي تُولي الصورة اهتمامًا خاصًا ؛ لأنها تُخاطب هذه الذاكرة الحديثة/القديمة ؛ فالإنسان قد بدأ بالصورة فجعلها أبجديته الأولى في تدوين تاريخه وحضارته وطقوسه ، ثم تركها نسبيًّا إلى اللغة التجريدية والفلسفة المنطقية ، ثم عاد إليها حديثًا وجعلها مسيطرةً عل كل شيءٍ من الإشهار حتى الدراما المعقدة .” فالشعر فنٌّ ، صورته الفنية مجازيةٌ ، وأساليبه رمزيةٌ استعاريةٌ ، كما أنه يستخدم وسائل التطابق والتقابل والجناس الكامل والناقص والقافية … ، في نسيج الكلمات ، ولابد من أن يستخدم كل فنٍّ من التقنيات ما يناسبه ولا تكون هذه التقنيات بالضرورة الكلمة “.  (20)

على هذا فقد لجأ الخطاب الشعريُّ إلى هذه الفنيات بالغة التأثير لتكون عونًا له أثناء رحلته الشاقة في عالم التجربة الشعرية المليء بالرؤىٰ والخيالات التي تستعصي على الكلام التقليدي واللغة العجوز ، فآلة التصوير السينمائي مثلاً تستطيع أن تلتقط أدق التفاصيل الثابتة والمتحركة ، ومسجلات الصوت الحديثة تستطيع أيضًا أن تحتفظ بأدنى حفيفٍ للأصوات ، وتستطيع أيضًا أن تؤثر في السامع حتى تشعره بالرعب أو الحزن أو الفرح ، وقد بلغ الفن المسرحيُّ والتليفزيونيُّ والسينمائيُّ حدًّا مذهلاً يستطيع به أن يُضحك الناس أو يسيل دموعهم في دقائق ، وهو ما لم يكن بإمكان الشعراء والأدباء أن يبلغوه إلا بشق الأنفس ؛ لذلك فالشعراء قد فطنوا إلى حقيقة مؤداها أنهم يكتبون للعين كما يكتبون للأذن .

وقديمًا جاء  ” أديسون ” ، وأعلن في جريدته ” المتفرج –   The Spectator” سنة (1712 ) أن الشاعر يكتب أولاً للعين ” . (21) ؛ لذلك وجدنا الشعر المعاصر يحاول صناعة بلاغةٍ خاصةٍ لنفسه مستعينًا بكل معطيات العصر القديمة والحديثة التقني منها وغير التقني حتى يحوز نجاحاتٍ أكبر ؛ وعلى هذا فإن الفنون جميعها عبارة عن نشاطات متواصلة ومتداخلة تداخلاً خفيًّا عميقًا من الناحية الوجدانية ، ومن هنا ”  فإن الفن هو الفنون جميعًا برغم الاختلافات التقنية بينها ” (22) ،

وفي هذا البحث المصغر نحاول رصد آليات الشعراء في التعبير عن تجاربهم الشعرية من خلال عدة تقنيات مثل : التشاكل المنطقي وتوليد المفارقات الجديدة  ، والتأثر بالقرآن الكريم بوصفه تقنية موروثة كما في ديوان نجوى سالم ” في أسواق المدينة الإلكترونية ” وكذلك الاعتماد على البوح المونولوجي . كما في ديوان محمد خير الحلبي ، والرفض والتمرد لكل ما هو موروث في التراث العربي القديم وكلاسيكيات العادات والتقاليد المصرية في ديوان الملعون . يمشي يسب يدخن سيجارته للشاعر محمد رضا ،

فاستغلال النص القرآني بإمكاناته غير المحدودة في الرصانة والاستقرار في الذاكرة العربية الإسلامية يجعل النص أكثر تأثيرا وقوة ؛ تقول نجوى سالم في قصيدة ديمقراطية :(23)

تأتينا حيتانهم يوم سبتنا؛ / فنعود خماصا/ ويعودون ……/ لو أنها سفينة / ما خرقها … / ولو كان  الجدار لنا ما بناه …/ وكلما قرت عيون أمهاتهم/ يحصد براءة أرواحهم/ألأننا لم نستطع عليه صبرا / لم يعلمنا تأويله ؟!

لقد تم التضفير بين النص القرآني والحديث الشريف  في جديلة رائعة من السرد الدرامي ،قال الله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * َ ﴾ ] الأعراف: 163  . ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ” لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا “أما الجدار والسفينة ففي سورة مشهورة وهي سورة الكهف التي يقرأها أو يسمعها معظم المسلمين في يوم الجمعة فالمفردات والتركيبات التالية “سفينة – خرقها – الجدار – لم تستطع عليه صبرا ……ثم ( خماصا وبطانا ) في الحديث الشريف

وتقول الشاعرة في قصيدة أخرى: ” لم نستطع عليه صبرا ” (24) سمتها بتسمية من القرآن الكريم : ” يا بنيّ … / كلكم في الجب !/ فأيكم يوسف ؟ ومن الخونة ؟ / والذئاب التي تركتموها ترعى بينكم / تعالى عواؤها / سرقت الدلاء وقطعت طريق السيارة / فكيف تبرءون من دماء /ترسم على أكفكم سلاما أحمر/لا يخجل من حمرته / وأنى تكونون من بعدها قوما صالحين ؟!

فسورة يوسف حاضرة بمفرداتها وتركيباتها لكن الشاعرة حاولت أن تمتاح من هذه المفردات والتراكيب القرآنية ما يخدم المعنى العام للتجربة الشعرية وما يستفز المتلقي وقد غيرت في بعض التراكيب والضمائر مع الاحتفاظ بالبنية اللغوية للنص القرآني قدر المستطاع مثل ( يا بني بصيغة الجمع كلكم في الجب لتؤكد عمق الفاجعة التي وقع فيها كل العرب وأنهم جميعا في مركب واحد وأزمة واحدة والذي يظن أنه بمنأى عن الأزمة فهو واهم ، وقد استخدمت تلك التركيبات القرآنية بمهارة جعلتها من التجارب الفذة في عالم القصيدة الحديثة.

فأساليب القرآن وتراكيبه وآليات سرده تنشع من الديوان كله فمثلا تقول الشاعرة  في قصيدة” ثقوب من قصيدة ” (25) فما لعاصمة الجرذان من قرار / وبئس الإثم الانتظار ، وفي قصيدة قبل أن يصحو الحلم(26)  نجد جملا شعرية رائعة تخدم المعنى العام للقصيدة فهي القائلة:  هل لي أن أرسمك / برعما يتقتق عن طفل / لا يزر وازرة عاشقين / يظنان أنهما يهبان للحياة نهارا جديدا / ……. / وهل للبحر يسمح لي / أن أختلس بضع حبات من عرق أسراره / أروي بها ظمأ روحك للشطآن / فتجرى أنهارا وعسلا/ سائغا لبنيك /وقمحا وزيتونا / على موائد فقرائهم 

هكذا استخدمت الشاعرة كل طاقاتها الثقافية في الامتياح من معين النص القرآني بعطائه المتدفق وهذا نظرا لثقافتها الدينية والعربية حيث تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة العربية ومن هنا فإن التشكيل اللغوي والثقافي والإبداعي للشاعر يكون معينا ثرا لتشكيلاته الإبداعية فشجرة التفاح التي تنبت في لبنان مثلا تختلف في مذاق ثمارها وبنيتها عن مثيلتها التي تنبت في أمريكا أو على الجبل الأخضر بليبيا إنها الشخصية الأدبية التي تشكلت مع جذوة الموهبة وتفاعلت مع بيئتها فأنتجت ذلك النتاج الأدبي الذي يميز كل شاعر أو مبدع ويجعل له بصمته الخاصة ؛ وتقول في قصيدة المدينة الإلكترونية في مقطع ألوان (27):

وهو يوزع البشرى / في بطاقات صوتية / ملونة بوهم الأماني / وملفوفة بأعمارهم / (وهم يعمهون ) / في ترهات الوقت /ثم مر ../ (كأن لم يحي بالأمس) / في حلم من أحلامهم / …../ ( فابيضت عيناه ) / واسودت أيامهم

أرأيتم هذه المقاربات الرائعة من خلال التراكيب اللغوية المعجمية حيث تتعانق القصيدة الحديثة بتقنياتها الجديدة والأسلوب القرآني التراثي بكل إشعاعاته البلاغية وجمالياته الإلهية التي هي منبع كل جمال في الكون؟ فهي تحوم في حديقة الظلال والألوان مستخدمة تعبيرات رائعة من القرآن تقول في قصيدة حكايات قديمة (28)

فتهاوت حصارات النهار/ في أفئدة/ ظلت تمضغ خرسها / مخافة سجن العزيز /واللاتي قطعن أيديهن “ ، فخوف السلطة من خلال سجن العزيز ، وخـــوف المكر والدهاء والتدبير من خلال النسوة اللائي قطعن أيديهن ، فهي القائلة في قصيدة خذها ولا تخف (29)

حمقاء كنت أرتدي مسك الشتاء / وأعد أغنية الحداد لقاتلي / كيف أغلق القصيدة على وجعي / قبل أن أمر إلى الضفة الأخرى / وأغترف غرفة من دمي / بكف آثمة /لا تلقف ما يأفكون/……/ خذها ولا تخف / إنها تمائمي العشر /التي حرفتها / ستعيدك سيرتك الأولى /اهبط من سماء عشقي/إلى أرضك البور / فنصفك من طين الحارات القديمة / ونصفك من تراب / ويوم تقوم قيامة ذاكرتك/ لن تبكيك الحروف التي خنتها / حين أخطأت ترتيبها عمدا ، وقد تميل الشاعرة إلى الوضوح مع توليد المفارقة الذهنية التي تحرك الفكر والشعور بصدمة النتيجة كما في قولها في قصيدة بعض ما قد تبعثر (30) :

الرجل الذي أحببته حقا / ظل يغني ../  ويغني ../ ويغني .. /وكنت أرقص .. / وأرقص .. / وأرقص ../ وحين تأكد أنني/ قد دخلت القفص فعلا / كف فجأة عن الغناء /فتيبست في مكاني / كتمثال الحرية ،

وقد تلجأ الشاعرة إلى تقنية المخاتلة الفكرية كما في قصيدة أسواق المدينة الإلكترونية في المقطع وهم (31) حيث تقول فيها :

” ظل يصعد../ ويصعد .. / ويصعد ../ حتى ظننا أنها الهاوية ”  فالصعود التكرر كانت نهايته الهاوية ، فهذه المفارقة المنطقية الفكرية تمثل مفاجأة لغوية ومنطقية تصدم المتلقي بطريقة تتجاوز فلسفة الحكي الكثير والسرد الطويل جدا

أما الشاعر محمد رضا فقد ذكرني بالشاعر الرجيم بودلير في ديوانه أزهار الشر حيث يغضب غضب الأطفال ويتمرد على كل ما هو ممل وتقليدي في حياتنا حيث يعلن الحرب على كل العادات والعبارات البالية القديمة ؛ فيبدأ رحلته بذلك التمرد من بداية اختيار اسم الديوان الذي أسماه (الملعون ) وذيل هذا العنوان بسطر نثري كتب فيه يمشي يسب يدخن سيجارته . ثم بدأ رحلة السب والرفض والتمرد من البداية حيث يقول في بداية الديوان(32) في الإهداء

لا أكتب لنفسي فقط / أكتب لي ، ولك أيضا /أيها المجنون مثلي ، مثل الجميع / فتبا لنا”  …، وفي الإهداء الثاني للديوان يقول : لا أحد يستحق ، وهو يذكرنا بقول إبراهيم عبد القادر المازني : الذي أوصى أن يُكتب هذان البيتان على شاهدة قبره :

أيها الواقف مهلا
واقْرَ ما خُطّ أمامك
ها هنا ترقد عظامي
ليتها كانت عظامك

وقد قيل إن الحطيئة كان يهجو كل الناس حتى هجا نفسه وكل أفراد عائلته فقال يوماً :

أبت شفتاي اليوم إلا تكلماً بهجوٍ فما أدري لمن أنا قائله .

ولما رأى وجهه في الماء قال :

أرى اليوم لي وجهاً فلله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله !!

ونظر إلى والدته ؛ فقال:

جزاك الله شرًّا يا عجوزًا ولقاك العقوق من البنينا ..
تنحي فاجلسي مني بعيدًا أراح الله منك العالمينا ..
أغربالاً إذا استودعت سرًّا وكانونًا على المتحدثينا ؟؟ ..

وقال لأبيه:

فبئس الشيخ أنت لدى المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعتَ اللؤمَ لا حياكَ ربي وأبوابَ السفاهةِ والضلالِ

وعندما مات أوصى أن يعلق هذا على كفنه:  لا أحدٌ ألأم من حطيئة هجا البنين وهجا المرينة، وقد اشترى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – منه أعراض الناس على أن لا يهجوهم وذلك بعد أن سجنه فرثى نفسه وأولاده بأبيات رقّ لها أمير المؤمنين فأخرجه على أن لا يهجوَ أحدا واشترى منه أعراض المسلمين.لولا سوء سيرة الحطيئة لكان شاعرا مجيدا فسبحان الله ؛ وحين يرفض رضا ويتمرد بشكل كبير يقول : في قصيدة عداء الصمت (33)

تنتابني أحيانا رغبة في العدو/ في رمي حقيبة اليد السوداء /أن أنثر الكتب ، وأركل الهاتف النقال / أن أركض بكل ما أوتيت من سخط /صارخا بالمارة كقطار الرابعة صباحا/ ……/ شعري كالمتشردين /ملهوف على اللاشيء / كاره خلق الله / ألهث كالكلاب العطشة / دمي النازف يحرق ركبتي /كتبي إسفلت ، وقاري كاذب “

إنها كراهية الذات الشاعرة للواقع برمته وبكل مشكلاته وضجره لا يريد أن يحمل كل هذه الأشياء : الحقيبة – الهاتف النقال – كل شيء يضجره فهو طفل منطلق يريد أن يتنقل بلا قيود كالعصافير والأطفال ، يقول رضا في قصيدة إسعاف بطيء (34):

كلما صرخت أغيثوني يهطل المطر / وأنظر للسماء الدنيا / أقلب فيها ذات اليمين وذات الشمال/ كمن أضاع زر القميص في درج المكتب / كامرأة تفتش عن سوس الأرز/ أبحث عن الشمس / ” وكل ما خلا من الشمس ، يذوب في الظلام ” / وأهتف : / يا سماء ، لم أرد مطرا / يا قدرة ، أهذا ما أستحق ؟!

يقول في قصيدة السلالة (35)

أكره جدتي / أكره الروح والريح والمنزل/ البيت / أسلم بيسرى يميني/ تقول من تحت ضرسها الأخير ، كجدات الأبيض والأسود / كيف حالك يابني / ولا تنتظر الإجابة …..”

وفي قصيدة تعبير لفظي عن روح تالفة ‘ يقول : (36)

” أكره الدميمات / والفاتنات ،/ وما بينهما / وأعشق المرأة العربية ، / بكل عنجهيتها ورفضها وليونتها/ وأكره الناجحين بأرديتهم ، وابتسامات الصور الفخورة / التي تزكم أنفاسي / أكره الفاشلين ، والأغراب / أكره عنوان هذه القصيدة / أكره سخف الإنسان، وتكبره على باقي خلق الله / وأكره الفقراء الباكين على ظلم الدنيا / وهم يتنفسون الغش ، والمخدرات، وشلل الأطفال …/ أكره من يعرفني كطبيب ، ويمتدح هذا / وأكره من يحب الشاعر في / وينسى إتقاني لفنون الطب/ وأكره باقي الأطباء/ وأكره الروايات الطويلة / والشعر القصير/ وقبل أن أنام: / أحرق رئتي / وأضع ذراعي تحت الوسادة / وأبتسم كثيرا للكراهية / ولسادة الحلم ….”

أرأيتم كم الكراهية في النص وكم مرة تكررت كلمة  ” أكره ”  إنه ناقم أشد النقمة وكاره كل مفردات المجتمع بأسره بحلوه ومره

وكذلك في عالم التهويم والتصوير ينضم إلى تلك التجربة الشاعر عبد الستار الدش في ديوانه من أغاني الطمي حيث يقول في قصيدة : “لها” المقطع الثالث (الحياة ) : (37) عبد الستار الدش : من أغاني الطمي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2009 ، ص11

“الحياة /لها منطق العيش /من يأكل الشهد فيها / ومن يشرب المر /والآخرون على حبلها يلعبون / يغنون ليلى / وليلى تنشف ريق الجميع / فهل نستسيغ طريقتها في الغرام ؟/ يطير الحمام / وقد لا يحط ”

فالشاعر هنا ير ى الحياة في وطنه بهذا المنظار الشاعري القاتم في الوقت نفسه حيث المفارقة التي تجسد الظلم القائم في المجتمعات التي ما زالت تحبو نحو الحرية ولا تجد لها نفسا ، وقد أنتجها الشاعر بين فريقين قد وازن بينهما بتلك المضاهاة والمقابلة (فريق يأكل الشهد- فريق يشرب المر) ، لكنه فرق بين الفريقين في طبيعة التناول ، فالفريق الأول (يأكل ) بما توحيه الكلمة من توكيد وواقعية حقيقية وكلمة الشهد بإشعاعاتها الشعبية لكي يؤكد الاستمتاع بكل ملذات الحياة أما الفريق الثاني (يشرب ) المر ، ووضع كلمة المر في مواجهة الشهد ليظهر التناقض الباذخ بين النعيم والجحيم الذي يكتنف الطائفتين على الترتيب

ثم يأتي دور الغناء لليلى /الوطن / الأم / الحب والعشق /الذي تعب الفريق الثاني من الغناء باسمها وهم الكثرة ، وهي لا تفعل شيئا سوي أنها ” تُنشف ريق الجميع” هكذا بالمصطلح الدارج الذي يقوله الناس ليل نهار في المقاهي والشوارع ووسائل المواصلات أما الذين أكلوا الشهد وتنعموا بخيرات الوطن لم نسمع عنهم شيئا كما قال أمل دنقل ” طوبى لمن أكلوا خبزه في الزمان الحسن وأداروا له الظهر يوم المحن

فالذين تنعموا وأكلوا شهد هذا الوطن لم يحبوه ولم يتغنوا باسمه ، والذين جفت حلوقهم والتهبت حناجرهم تغنيا باسمه بخل عليهم بكل خيراته ولم يشربوا منه سوى المر. هم الآن من يدافعون عنه بكل استماتة  وهذ الظلم الفاحش قد يطير السلام المجتمعي للأبد فإذا انتفض هؤلاء الجياع سينتشر السلب والنهب والقتل وينتهي السلام وبذلك ” يطير الحمام وقد لا يحط ”  وهنا تكمن نبوءة الشاعر ، فهذا الديوان قد أصدر عام 2009 والثورة محتقنة في نفوس الشعب وقد قامت بعد هذه النبوءة بقليل .

هكذا نبتت المفارقة بتلك الكلمات القليلة هكذا يكون الشاعر الحق تترجم كلماته بكلام كثير جدا حتى يمكن تبسيطه للمتلقي العادي ، وقد ظل الشاعر يؤصل لتلك الفكرة حتى نهاية القصيدة التي قال في آخرها ” السلام السلام” على لسان البلد الأمين .

ويظل بناء المفارقة في ذلك الديوان الطازج ممتدا عبر صفحاته ، فعلى سبيل المثال نجد قوله في قصيدة ” غرابة ” : (38) السابق ، ص 33

قطة / فوق سقفي تنام / لم يعد فأر هذا الزمان /يجيد السذاجة/ لم …./لم تعد قطتي تعرف الناس/ أو / يستثير عواطفها/ نحو فأر /غرام .

إنه يوازن بين زمن وزمن زمن كانت القطة تتمسح بالبشر وتحبهم وتطارد الفئران وزمن صارت القطة متبلدة العواطف والفأر لم يعد ساذجا حتى تصاده القطة التي استراحت من المطاردة وأبرمت معاهدة سلام مع الفئران وقامت بالتطبيع معهم . إنها القوانين المتغيرة دائما في ذلك الكون الذي يوحي بالثبات لكنه ليس كذلك.

أما قصيدة أمي ص37 من الديوان فقد اعتمد فيها الشاعر على آلية أخرى استخدمها كثيرا وهي آلية الصف المونتاجي وإذا أخذنا في تحليل القصائد التي اعتمدت على ذلك فإننا نحتاج إلى بحث مستقل ، والمكان هنا لا يتسع لذلك . الخلاصة أن الديوان يستحق القراءة والبحث

أما الشاعر خالد غلاب فقد آثر السرد المنولوجي والبوح الشعري والمناجاة في بعض الأحيان كتقنيات يتواص من خلالها مع الجمهور فهو القائل في قصيدة قيد في دائرة الاختيار (39) (39) خالد غلاب ، الموج لا يخشى الرحيل ، مطبعة الاتحاد للطباعة والنشر والتوزيع , مصر ، 2013

تقطعني اللحظة /وأنا الساري عبر الوردة والأشواك/عبر وداعك / وأصوات دعائي /محاولتي وتزاحم إصراري /ولدي .. وملحمتي /وشقشقة حول البعث/ وتصالح أضدادي /قالت : إلى الجنة /لترجمني .. وعودا /ولم تترفق حول ثباتي /لذا / أممتكِ فجرا /ولم أتخير أذانك

فهذا تأسيس مونولوجي حيث تنفرد الذات الشاعرة بكل أحلامها ومشكلاتها ولا تجد من يصغي لآمالها وألامها فتنعزل وحدها في ذلك العالم الافتراضي لتنوح وتغرد بلغة هي وحدها تتأثر بها مثل الطيور المغردة أو العمال المجهدين الذين يترنمون ببعض الأغنيات التي تشد عزمهم وتقوي إرادتهم على العمل اليومي الشاق

ثم يلج من ذلك التأسيس المونولوجي إلى تلك المحادثة المنقولة قالت : إلى الجنة ، لكنه لم يصدق ذلك فكم طالت الوعود ولم يجد ما يتحقق منها لذا أعلن عن قراره بتأميمها وامتلاكها .

وفي كل رجاء أخمش وجهي / وفي كل مساء أرجم قمري /ويطوف وداعكِ بالمرساة

هكذا يظل الوطن / الأم / الحبيبة / القومية / الأمة تخاتله وتراوغه وهو لا يجد أي انتصار عليها إلا في عالم الأحلام

وإلى جانب السرد المونولوجي والمناجاة نجد التقنيات الدرامية تتحرك داخل الديوان كما في قصيدة ثلاثة من حاخامات اليهود يتهامسون ص40 من الديوانوكذلك قصيدة الخصم الشقيق ص 43 من الديوان، وقصيدة محكمة ص 50، وقد اعتد على الحوار الدرامي وتعدد الأصوات في تلك القصائد التي تحتاج مساحة شاسعة من البحث ، فمثلا يقول في قصيدة الخصم الشقيق :” شقيقان من واقع فلسطين المحتلة، وأم عجوز ، وصوت الحكمة ، وصوت الفتنة ، ويرتفع الستار ”

صوت الفتنة : ياذاك الغاضب قدر محاولة التاريخ

صوت الحكمة : يا ذاك العائد من مذبحة التاريخ

صوت الفتنة : أممتك جدلا / ومن أجلك أطوي علما , ومريدا / حقق سكينك في ظهر الوقت / عد .. وعنكب ما دام الصيد ضميرا

صوت الحكمة : أممتك سحرا / وفي كل شروق نزحزح قرص الشمس نعود / حدق وتعايش أغصان الزيتون / وأرجئ فالبعث طريق .

يقول أحمد علي منصور في قصيدة : ثمة ما يوجب الانتظار أحمد علي منصور : لما كان النور , القاهرة , ط 1 , 2012 , مطبعة آمون , ص 163 – 165

وتبدو المسافات / بين الموانئ / أقسى من الانتظار / وفي كل عاصفة / من رحيلي / صقيع / و نار / وبين المسافات / ريح صفور مصوحة / بغبار النهار / وماردة الجن تسكن / بيني وبيني وبينك / ترعى على دمنا المشتهى / تنفث السم ناقعة / وتبث الشرار / مدائن دارسة / وحدائق طامسة / وبلاد بلا أمة / هجرتها الخلائق من ألف عام / وفجر صليب على الأفق / مختنق بنزيف النهار / وما زلتَ تغرس / في كل يابسة صفصف / سبلا وفسائل ومخضرة / فتهيج على العين مصفرة / ثم لا زلتَ تغضي / تبللها عرق الروح دمعك / نزفك , والأمل المستعار

يقول الشاعر في قصيدة : مداخلة لمواطن قد يكون عبيطا , ص 153 :

والتليفزيون باطل / المذيع الألمعي , والمعد / ضيفه المثقف الجهول / السامع الخمول , والمقول / إن الكل باطل / والذي يكتب .. والكتاب و الجرانين / على ألوانها .. الصفراء والزرقاء والسوداء / إنها وقود ذلك الحريق / إنها السعور يسكبونها لنا / بحقه الشمول .. الكل باطل

يقول الشاعر : أبو السعود سلامة : شكرا لله قد عادت مصر : ( أبو السعود : إيزيس صبحك ينتظر , الهيئة العامة لقصور الثقافة , إقليم غرب وسط الدلتا , 2012 , ص 31 )

وأراك سماء / ترسمها أضواء النجمات / وعيوني ترقب في فرح أفئدة / تسكنها البسمات / وسؤالي يتقافز حولي / طيرا يتراقص في الروضات / مَن عطر ميدان التحرير بمسك دماه ؟ / مَن دلف كريما في حوصلة الطير الخضر ؟ / مَن أيقظ حس الشعب التائه في الفلوات ؟ /  هم شبان التحرير  علوا فوق التفكير / وصاروا نورا في الظلمات

و يقول الشاعر في قصيدة : المساء لا يموت , ص 52 :

مَن يدعي أن المساء يحتضر / و أنه يجاهد الأنفاس والسهر / و أنه يكمم الأفواه / فيمتطي معارج السفر / فلا تصدقوا الحكايات التي تموج بالخرافة / ولا التي تصوغها النخاسة / فحاذروا / و أطلقوا الأطيار علها تعود للأعشاش / فإنه المساء لا يموت / فقد يصاب بالقنوط / ويعتريه الخوف والسكوت / لكنه يظل واقفا / يحكي حكايات / الأميرات اللاتي ولدن في الزمن الغريب / يهربن من نفث السواحر / ويتهن في الأدغال يبغين الخلاص / ويدرن حاكي الذكريات / مصباحهم لم ينطفئ / تاهوا بأسفار الليالي الباهتات .

الهوامــــــــش

(1)  رجاء عيد : القول الشعري.منظورات معاصرة ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1995 ، ص 21 ، وينظر كذلك عبد الغفار  مكاوي : قصيدة وصورة ، عالم المعرفة ، الكويت ، عدد (119) ،1987 ، ص 8 ، وكذلك محمد عناني : الأدب وفنونه ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط2 ، (مكتبة الأسرة) ، 1997 ، ص22 – 23 .

(2)    مجدي وهبة  : معجم مصطلحات الأدب ، بيروت ، 1974، ص 591 .

(3)    مجدي وهبة ،   م  . س   ، ص  592 ، وينظر كذلك محمد فتوح أحمد : الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، دار المعارف ، ط3 ، 1984 ، ص  102 – 103  ، ويُراجع كذلك رمضان بسطاويسي : جماليات الفنون ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سلسلة دراسات أدبية ، 1998 ، ص380 – 397 .

(4)    محمد نجيب التلاوي : القصيدة التشكيلية في الشعر العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ،   ط2 ، 2006 ، ص 49 .

(5)  روبرت همفري : تيار الوعي في الرواية الحديثة ، ترجمة محمود الربيعي ، مكتبة الشباب ، القاهرة 1984 ،  ص 60 .

(6)   أروين إدمان : الفنون والإنسان ، ترجمة مصطفى حبيب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 2001 ،  ص  26 – 27 .

(7)    عبد الغفار مكاوي :  قصيدة وصورة ، الشعر والتصوير عبر العصور ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد119 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، نوفمبر ، 1987.

، ص 7 ، ويُنظر كذلك رجاء عيد : القول الشعري ،م . س  ،  ص 39 ،  وكذلك السعيد الورقي : القصة والفنون الجميلة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، مكتبة   الشباب (57)

، يونيو 1997 ،  ص 6  ، 11 ،  12.

(8)    رجاء عيد : لغة الشعر. قراءة في الشعر العربي الحديث ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1985 ، ص 42 ، ويُنظر كذلك : محسن أطيمش : دير الملاك.دراسةٌ نقديةٌ في الشعر العراقيِّ المعاصر ، دار الرشيد ، بغداد ، 1982 ، ص 23 ، وكذلك : مصطفى السعدني : البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1987 ، ص 12 – 13 .

(9)   حسن ناظم ، مفاهيم الشعريّة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2003، ص 125.

(10) أدونيسسياسة الشعر  ، بيروت ، ص 22- 24.

(11) ر. م. البيريس : الاتجاهات الأدبية الحديثة ، منشورات عويدات، بيروت، ط 3، 1983، ص 127.

(12) عثمان عبد المعطي عثمان : علاقة التقنيات المسرحية بتغيرات المجتمع المصري ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1999 ، ص 16  .

(13)    ف . تاتاركيفتش : تصنيف الفنون ، م . س ، ص 12 .

(14)   ف . تاتاركيفيتش :تصنيف الفنون ، ترجمة مجدي وهبة ، مجلة فصول ، العددان (1 ، 2) ، المجلد (5) ،   أكتوبر 1986 ، ومارس 1987.، ص 12 ، وقد قام الدكتور نعيم حسن اليافي بدراسةٍ مفصلةٍ تناول فيها تصنيف الفنون من وجهات النظر المختلفة عند الكلاسيكيين والرومانسيين .. وغيرهم ، وقام بدراسة العلاقات المختلفة بين الفنون والشعر ، وهي  بعنوان ” الشعر بين الفنون الجميلة ” ، ، وهناك دراسة أخرى مفصلة قام بها إيتيان سوريو ،  وهي بعنوان  : ” تقابُل الفنون ” ، ترجمة بدر الدين القاسم  الرفاعي ، وزارة الثقافة ، دمشق 1993.

(15)   عز الدين إسماعيل : الشعر العربي المعاصر ، دار الفكر العربي ، ط3 ، د . ت ، ص 15 – 16 .

(16) عثمان عبد المعطي عثمان : علاقة التقنيات المسرحية بتغيرات المجتمع المصري ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1999.، ص 67 .

(17) علي عشري زايد :  قراءات في شعرنا المعاصر ، دار العروبة ، الكويت ، د . ت ، ص  10 ، ويُنظر كذلك فائق متى  : ” إليوت ” ، دار المعارف ، سلسلة نوابغ الفكر الغربي (17) ،  ط 2  ، 1991 ،  ص  55  .

(18) علي البطل : بنية الاستلاب بين عالم النص وعالم المرجع . دراسة نصية لقصيدة مراوحة لرفعت سلام  ، المجلس الأعلى للثقافة  ، القاهرة  ، 1998 ، ص  8   .

(19)صلاح فضل : كتابة الأثر وكتابة الحياة ، أخبار الأدب ، العدد 203 ، 19/12/1993 ، ص 38 ، ويُنظر له أيضًا :  تحولات  الشعرية العربية ، مكتبة الأسرة ، 2001 ،  ص 24 .

(20)  يحيى عبد التواب: فن الباليه والأدب ، مجلة فصول ، العدد (2) ، المجلد (5) ، يناير 1985 ، ص 134 .

(21)    نقلاً عن نعيم حسن اليافي : الشعر بين الفنون الجميلة ، م. س ، ص 10 .

(22)    إيتيان سوريو : تقابل الفنون ، م . س ، ص 7 .

(23) نجوى سالم .: أسواق المدينة الأليكترونية  كتاب مرايا الشعري . المحلة الكبرى .ط1 . 2010 ، ص 80

(24)  السابق ، ص 78 .

(25) السابق ، ص 64 .

(26) السابق ، ص  65 .

(27) السابق ، ص  62 .

(28) السابق ، ص 23 .

(29) السابق ص 26 ، 27

(30) السابق ص 5

(31) السابق ص 63

(32) محمد رضا : الملعون . يمشي يسب يدخن سيجارته ، ط1 ، 2013 ، دار الأدهم للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ص 13

(33) السابق : الملعون ، م . س ، ص 6 ، 7

(34) السابق ، ص 9، 10

(35) السابق ص 13-15

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *