مسرحية ( وين رايحين ؟) انتظار حلم الوصول المؤجل

مسرحية ( وين رايحين ؟) انتظار حلم الوصول المؤجل
يمكنُ إدراج مسرحية(وين رايحين؟)سينوغرافيا وإخراج حيدر منعثرعن نص( الحافلة)لحيدر جمعة،ضمن ما أسميته أو أطلقتُ عليه نقدياً عنوان(مسرح الإنتظار)حيث تم تكريس ومعالجة(ثيمة)الإنتظار في العديد من العروض المسرحية التي شهدها المسرح العراقي في السنوات الأخيرة لتصبح بتكرارها وإعادة إنتاجها ظاهرة مسرحية جديرة بالإهتمام ودراستها والتوقف عندها ومعاينتها نقدياً...

يمكنُ إدراج مسرحية(وين رايحين؟)سينوغرافيا وإخراج حيدر منعثرعن نص( الحافلة)لحيدر جمعة،ضمن ما أسميته أو أطلقتُ عليه نقدياً عنوان(مسرح الإنتظار)حيث تم تكريس ومعالجة(ثيمة)الإنتظار في العديد من العروض المسرحية التي شهدها المسرح العراقي في السنوات الأخيرة لتصبح بتكرارها وإعادة إنتاجها ظاهرة مسرحية جديرة بالإهتمام ودراستها والتوقف عندها ومعاينتها نقدياً.

وما أن تكشف المسرحية عن الخط الرئيس لفكرتها حتى يتداعى إلى الذاكرة صدى المسرحية الغنائية اللبنانية الشهيرة(ميس الريم)للمطربة فيروز والأخوين رحباني التي تم عرضها في المسرح اللبناني عام 1975 واتّخذتْ من الأزمة التي عاشها لبنان في تلك الحقبة محوراً لها من خلال عطل احدى السيارات في تلك(الضيعة) لتنتهي المسرحية باغنية(هالسيارة مش عم تمشي..)وذلك في إشارة واضحة إلى عطل فعل الدولة اللبنانية في ايجاد الحلول لأزمتها ورُبَّما كانت(ميس الريم)إرهاصاً بالحرب اللبنانية الأهلية التي اشتعلتْ نيرانها من العام1975 حتى العام 1990.

لكنَّ السيارة العراقية العاطلة هذه المرة دفعتْ منذ البداية بسؤالها المصيري الصادم الباحث عن المكان(وين رايحين؟)وأوّل ما تبدأ به المسرحية هو سؤال صعب آخرلل(المرأة)(لمياء بدن)وهي تسأل المسافرين الذين معها(شوكت نوصل؟).

وبهذين السؤالين المُحيرين تؤثث المسرحية فضاءها الدرامي بكل ما يحيط به من غرابة وغموض وبما تحاول الكشف عنه بمنطق التأويل الفني وزحزحة المعنى عن مكانه المستقر المتداول والإيغال شيئاً فشيئاً في الأبعاد العميقة والدلالات المتعددة لتلك الشخصيات المأزومة المحشورة في الزمن اليابس المتحجر وهي تبحث عن خلاص لها بانتظار الوصول المؤجل منذ سنوات طويلة.

إنَّ المأزق المسرحي الخانق الذي رسمتْهُ المسرحية لشخوصها يتمثّل لنا في أنَّ  الرحلة لمجموعة المسافرين قد انطلقتْ منذ سنوات عديدة لكن السيارة قد تعطّلتْ الآن وسط هذه الصحراء التي يغشاها ظلام دامس لا تطلع عليه شمس ولا نهار والطريق موحش تحيط به الوحوش الضواري،ويبقى المسافرون داخل السيارة العاطلة لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون ولا يعرفون متى يصلون،ولم يبقَ أمامهم سوى الإنتظار ..انتظار حلم الوصول العالق في الزمن الدائري الذي يدور على نفسسه دون إنتهاء !!

_ أيُّ قَدَر ٍ قاس ٍ محكوم بالعبث وتعطيل الحياة أحكم قبضته على رقاب هؤلاء المسافرين الضائعين الحيارى؟

ومن أجل الخروج  من حالة السكونية والإنغلاق التي انتهتْ إليها الشخصيات المحاصرة يلجأ النص المسرحي إلى حيل سردية مبتكرة من أجل تحريك المياه الساكنة فيبدأ بتشغيل المذياع الذي يطلق عليه تهكماً(راديو الديمقراطية)وبين الغناء والقرآن يحتار المسافرون ماذا يسمعون ويكون الحل باختيار(الأخبار) لتكون تلك الأخبار أخبار التأريخ الطويل من الحروب والمعاناة والموت التي مرَّ بها الوطن،وحتى هذا الراديو لا يسلم من العطل هو الآخر،ليقترح السائق الأهوج الذي يقود سيارته بخزان وقود مثقوب(الممثل طلال هادي)..يقترح حلاًّ سردياً آخر أكثر حيوية مفاده أنْ يحكي المسافرون قصصهم وحكاياتهم التي عاشوها في حياتهم.

لتبدأ قصة(المرأة-الزوجة)(لمياء بدن)التي تنتظر زوجها العسكري في اجازته الدورية لكنها تفقد ابنها الرضيع أثناء محاولتها الهروب من نيران الحرب التي اشتعلتْ،في حين تسرد الفتاة الأيزيدية الهاربة(الممثلة:زهرة بدن)معاناتها منذ الطفولة وفقدانها بيتها وأفراد عائلتها ومن ثم تعرضها للسبي من قبل عصابات (داعش)الإرهابية(وقد جسَّدَ شخصيات هذه العصابة كُلٌ من كاظم القريشي وأمير إحسان)

وكان بالإمكان أنْ تكون قصة أو حكاية الشاب خريج الجامعة المصاب بالسرطان وعلاقته بحبيبته(الممثل:لؤي أحمد)أكثر قوة وحضوراً وتفاعلاً مع هذه الأحداث لكنها بقيتْ على هامش المسرحية ولمْ تأخذ حيّزها المسرحي المستقل وخصوصيتها الدرامية.

لقد شكّلتْ هذه الحكايات للمسافرين الثلاثة جوهر النص المسرحي الذي جاء ناطقاً باللهجة الشعبية الدارجة لكنه بقيَ محافظاً على ثراه واكتنازه المعنوي الكبير المثقل بالدلالات والأفكار التي تعوّلُ على فطنة المتلقي المتفاعل في تأويل وتفسير  هذه المعطيات المسرحية المُتجسّدة على خشبة المسرح،ف(حكاية)المسرحية تبدو في الظاهر حكاية بسيطة عن سيارة عاطلة لكنها في حقيقتها محملة بتداعيات تأريخية وسياسية مهمة،فالسيارة ليست سيارة بالمعنى المتداول المعروف وهؤلاء المسافرون الضائعون ليسوا أفراداً مجردين بل هم رموز ل(عيّنة مجتمعية)أو شعب أو مجتمع وحتى السائق المهمل يطرح مفهوم(السياقة)بمعنى(القيادة)التي يتوجب علينا اختيارها على نحو واعٍ ومسؤول وضمير حي لكي تقود تلك السيارة وإيصالها إلى بر الأمان ويأتي ذلك كله في سياق التأكيد على الإنتخابات وضرورة استخدام الحبر البنفسجي في رسم صورة المستقبل!

المعالجة الإخراجية.

اعتمد المخرج حيدر منعثر الإسلوب الملحمي في معالجته الإخراجية لحكاية النص التي بدتْ وكأنَّها مقطع عرضي واقعي لحادثة يومية،وأبرز أدوات هذه الإسلوبية الملحمية هو استخدام وتوظيف(الميديا)المتنوعة من الصور الفوتوغرافية ومقاطع فيديو متعددة،منها ما ارتبط  بما هو شائع ومستخدم بشكل يومي في تطبيقات (السوشيل ميديا)المتداولة إضافةً إلى استخدام اللقطات التلفزيونية الأرشيفية عن ضحايا التفجيرات الإرهابية ومعها الصور واللوحات عن عن جريمة(سبايكر) وصور الإنكسارات العسكري للنظام السابق وغيرها..وقد استخدم المخرج هنا الشاشة الخلفية في عمق المسرح مكاناً ثابتاً لعرض مفردات هذه(لميديالوجيا)التوضيحية- التعبيرية.

وفي هذا الجانب تحديداً لمْ يكنْ مقطع الفيديو الإستهلالي للتعريف بالفنانين(زهرة بدن ولمياء بدن ولؤي أحمد)منسجماً مع ذلك الإستخدام الفني عند المخرج وضاعت وظيفة هذا المقطع نتيجة تكريسه للتعريف بالفنان نفسه وليس الحدث أو الشخصية المسرحية،وكان بإمكان المخرج الدخول إلى عالم المسرحية مُباشرةً بدون هذا الإستهلال الفيديوي لا سيّما وأن زمن عرض المسرحية قد امّتد إلى ساعة وأربعين دقيقة.

وفي ذات سياق التغريب الإخراجي المعتمد وللتأكيد على الجانب التفاعلي بين المسرحية والجمهور جاء استخدام المخرج للمظروف الورقي الذي تم توزيعه على المتفرجين وتضمَّن المشهد المفقود من المسرحية!

في السينوغرافيا استخدم المخرج الديكور الثابت الذي هو عبارة عن الشكل الداخلي للحافلة حيث مقاعد الركاب مع مجموعة التماثيل أو(المانيكانات)الثابتة.

وفي الألوان كان اللون الأسّوَد طاغياً في واجهة عمق المسرح وكذلك في الجوانب الداخلية وفي العباءة السوداء للمرأة للتعبيرعن ذلك النفق المظلم والحزن والموت والأجواء الكابية يقابله اللون الأحمر الفاتح لمقاعد الركاب التي توحي بالحذر أو الخطر،في حين كانت الموسيقى الحية بطابعها الإيقاعي بالعزف المنفرد حاضرة طوال عرض المسرحية.

طاقة الأداء الحيوي…

ومقابل الثبات لقطع الديكور كانت الحركة الأدائية الدائبة القلقة للممثلين،الذين ملأوا ذلك الفراغ بالحركة والفعل والأداء الحيوي،منسجمةً ومتناغمةً من حيث الرسم الحركي والنطق والإنفعال وشكَّلتْ بمجملها الطاقة الفنية البارزة للعرض المسرحي وتجلّى فيها جهد المخرج واضحاً في قيادته لممثليه وملامسته لمكامن شخصياتهم وتفجير أداءهم الإنفعالي وقد تجسَّد ذلك لدى الفنانة(لمياء بدن)وإنتقالاتها التمثيلية المتعددة للشخصيات وتعبيرها الأدائي بين الفكاهة والجدية والحزن والصراخ والبكاء والألم المكتوم والعويل،وقابلتها الفنانة(زهرة بدن)بذلك الأداء المتزن المدرك لأبعاد الشخصيات التي أدَّتها بانضباط فني واضح وسيطرة واضحة،في حين بقي الفنان(لؤي احمد)في وسط المجموعة حيوياً متوازناً وملأَ شخصيته ومكانها باليقظة والإنتباه الفني ليرسم حدود شخصيته بخطوط بارزة،أما الفنان(طلال هادي)في أدائه لشخصية سائق الحافلة فقد أمسك بذلك النمط  من الفكاهة السوداء وقدَّم شخصيته الفارقة على نحو يمزج التهكم بالسخرية المُرّة مصحوباً بعفوية طاغية.

اللقطة الأخيرة

قَدَّمَ المخرج القدير حيدر منعثر تجربة مسرحية جديدة ناجحة على صعيد الإخراج وفي طريقة تقديمه لمنظمومة الأداء التمثيلي والعرض الفني والأدوات الفنية المُستخدمة باختزالها ودلالاتها العميقة،وأحسبُ أنَّ هذه المسرحية الشعبية تصلح لتكون نموذجاً يقتدى بها لما يمكن أن نسميه أو نطلق عليه المسرح الشعبي البديل بجديته والتزامه وارتباطه بقضايا المجتمع والقريب من نبض الحياة والناس والشارع وما يحدث فيها من تفاعلات وما يدور فيها من أسئلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *