قراءة نقدية في ضوء مؤشرات الإفلات من العقاب وتقويض الحقوق الأساسية
أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الـ59 قرارًا مفصليًا بشأن “الآثار السلبية للفساد على التمتع بحقوق الإنسان” (A/HRC/59/L.6)، مؤكدًا على العلاقة البنيوية بين تفشي الفساد وتقويض الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية. وبينما حظي القرار بدعم واسع من عشرات الدول، امتنع العراق عن تبنيه أو دعمه علنًا، رغم كونه من الدول الأكثر تضررًا من الفساد البنيوي. تثير هذه المفارقة تساؤلات عميقة حول أولويات الدولة، ومدى التزامها الحقيقي بإصلاح المنظومة المؤسسية وتعزيز حقوق الإنسان.
خلفية القرار الدولي
يعترف القرار بأن الفساد لا يُهدّد فقط المال العام، بل يُقوّض حق الإنسان في الصحة، والتعليم، والسكن، والعدالة، والمشاركة السياسية، ويؤدي إلى التمييز وتآكل الثقة المجتمعية. كما يدعو إلى:
- تعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية.
- توفير بيئة آمنة للمجتمع المدني والصحفيين والمبلغين.
- وضع خطط وطنية لمكافحة الفساد مرتبطة بحقوق الإنسان.
- تقوية دور المؤسسات الرقابية والقضائية المستقلة.
واقع الفساد في العراق
تشير تقارير محلية ودولية إلى أن العراق يحتل مراتب متدنية جدًا في مؤشرات الشفافية الدولية، وتُقدّر الخسائر الناتجة عن الفساد بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا. أبرز المؤشرات:
- غياب المحاسبة الفعلية رغم كثرة الملفات.
- ضعف استقلالية القضاء.
- قمع الناشطين والصحفيين الذين يتناولون قضايا الفساد.
- احتكار الدولة الريعية ومراكز النفوذ للثروة والسلطة.
نقد موقف العراق من القرار
- الامتناع عن التبني = إقرار ضمني؟
إن رفض العراق تبني القرار أو المشاركة في صياغته، رغم كونه معنيًا مباشرة، يُعبّر عن غياب الإرادة السياسية للإصلاح، ويبعث برسائل سلبية للمجتمع الدولي والشعب العراقي على حد سواء.
- غياب التفاعل مع الآليات الدولية
العراق طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ 2007، لكنه لا يشارك بفعالية في آلية استعراض التنفيذ، ولا يقدّم تقارير وطنية شفافة أو خططًا واضحة لمواءمة مكافحة الفساد مع تعزيز حقوق الإنسان.
- التناقض بين الخطاب والواقع
على الرغم من خطابات الحكومة المتكررة حول الإصلاح ومحاربة الفساد، فإن عدم دعم قرار يدعو إلى تعزيز الشفافية وحماية الحقوق يُعد تواطؤًا صامتًا أو على الأقل تهرّبًا سياسيًا.
الآثار السلبية لعدم التبني
- فقدان الثقة الدولية في نوايا الحكومة العراقية بإصلاح المنظومة.
- استمرار العجز في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الأشد ضعفًا.
- تفاقم الإقصاء والتهميش في ظل بنية سياسية مغلقة ومحتكرة.
- حرمان العراق من فرص الدعم الفني والتقني المرتبطة بتنفيذ القرار.
توصيات للمستقبل
- دعوة العراق إلى تبنّي القرار في الدورات اللاحقة، ومواءمة خططه الوطنية مع مضامينه.
- تعزيز استقلالية القضاء والهيئات الرقابية وتمكينها من التحقيق والمساءلة دون تدخل سياسي.
- إشراك منظمات المجتمع المدني في إعداد تقارير الظل لمجلس حقوق الإنسان بشأن الفساد وحقوق الإنسان.
- تخصيص موازنات وطنية شفافة لقطاعات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي لتقليص آثار الفساد.
- تفعيل دور اللجنة الوطنية العليا لحقوق الإنسان في مراقبة الفساد وتأثيره على الحقوق الأساسية.
خاتمة
إن عدم تبنّي العراق لهذا القرار الأممي، رغم اتساقه مع تحدياته البنيوية، يُعد فرصة ضائعة لتموضعه في مسار الإصلاح الجاد. في ظل استمرار استنزاف الموارد وانتهاك الحقوق، فإن التهرب من المعايير الدولية في محاربة الفساد لا يعكس إلا هشاشة الإرادة السياسية، ويفتح الباب أمام مزيد من الانحدار المؤسسي والاجتماعي.


