عندما يتوقف النفط هل تستطيع الحكومة العراقية دفع الرواتب؟

عندما يتوقف النفط هل تستطيع الحكومة العراقية دفع الرواتب؟
يتناول المقال مخاطر توقف صادرات النفط في العراق على قدرة الحكومة في دفع الرواتب، موضحاً أن قانون البنك المركزي يمنع التمويل المباشر للحكومة من الاحتياطي، ويعرض خيارات غير مباشرة كالإصدارات السندات وتعديل القانون في حالات استثنائية، مع مخاطر التضخم وتراجع العملة....

هل بالامكان الاقتراض من احتياطي البنك المركزي في ظروف توقف التصدير وتعطل النقل المالي.لم يعد الحديث في العراق عن احتمال توقف صادرات النفط أو اضطرابها مجرد فرضية نظرية في التحليل الاقتصادي، بل أصبح سيناريو واقعياً في ظل الأزمات الإقليمية التي قد تؤدي إلى تعطّل طرق التصدير البحرية وإغلاق الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى تعطل حركة الطيران والنقل المالي الدولي.

في مثل هذا الظرف، تتكشف حقيقة مالية معروفة ولكن غالباً ما يتم تجاهلها في الخطاب السياسي والاقتصادي، وهي أن الدولة العراقية تقوم في بنيتها المالية على مصدر واحد شبه مطلق هو إيرادات النفط.

فأكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من صادرات النفط، بينما يذهب الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي إلى الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية. وبذلك تشكلت معادلة مالية واضحة يمكن اختصارها بعبارة واحدة: النفط يمول الدولة، والدولة تمول الرواتب.

لكن عندما يتوقف النفط أو يتعطل تصديره، فإن هذه المعادلة المالية تتعرض لصدمة مباشرة، ويبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الحكومة الاقتراض من احتياطي البنك المركزي لتسديد الرواتب وتشغيل الدولة؟

الإطار القانوني لعلاقة الحكومة بالبنك المركزي

تنظم العلاقة بين السلطة المالية والسلطة النقدية في العراق أحكام قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 المعدل، الذي صُمم أساساً لضمان استقلال البنك المركزي ومنع السلطة التنفيذية من استخدامه كمصدر مباشر لتمويل العجز الحكومي.

ويقرر القانون قاعدة أساسية مفادها حظر قيام البنك المركزي بتمويل الحكومة أو إقراضها مباشرة من الاحتياطيات الأجنبية. ويرجع هذا الحظر إلى اعتبارات اقتصادية ونقدية مهمة، إذ أثبتت التجارب الاقتصادية في العديد من الدول أن تمويل الحكومات عن طريق البنك المركزي يؤدي غالباً إلى نتائج خطيرة، أهمها:

  • ارتفاع معدلات التضخم
  • تراجع قيمة العملة الوطنية
  • فقدان الثقة بالنظام النقدي

وبناءً عليه فإن الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي ليس صندوقاً مالياً للإنفاق الحكومي، بل هو أداة من أدوات السياسة النقدية تهدف إلى حماية الاستقرار المالي وسعر الصرف.

طبيعة الاحتياطي الأجنبي ووظيفته

يشيع في الرأي العام تصور بأن احتياطي البنك المركزي يمثل خزينة مالية يمكن للحكومة اللجوء إليها عند الحاجة، غير أن هذا التصور لا يعكس حقيقة الدور الاقتصادي للاحتياطي. فالاحتياطي الأجنبي يؤدي وظائف أساسية، منها:

  1. حماية استقرار سعر صرف الدينار
  2. تمويل الاستيرادات والتحويلات الخارجية
  3. دعم الثقة بالقطاع المصرفي
  4. تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الاقتصادية

ومن ثم فإن استخدام هذا الاحتياطي لتمويل الإنفاق الحكومي يعني عملياً تحويله من أداة استقرار نقدي إلى أداة إنفاق مالي، وهو ما تحظره القوانين النقدية في معظم دول العالم.

الاستثناءات النظرية الممكنة

على الرغم من الحظر القانوني المباشر، فإن بعض المسارات النظرية قد تتيح للحكومة الحصول على تمويل غير مباشر في الظروف الاستثنائية.

1 .تعديل قانون البنك المركزي

يمكن للسلطة التشريعية تعديل القانون للسماح بإقراض الحكومة في حالات الطوارئ، مع وضع قيود صارمة مثل:

  • تحديد سقف الاقتراض
  • تحديد مدة السداد
  • منع استخدامه كسياسة مالية دائمة

غير أن هذا الخيار قد يؤدي إلى تقويض استقلال البنك المركزي وتسييس السياسة النقدية.

2 .التمويل غير المباشر عبر السندات

وهو الأسلوب الأكثر استخداماً في العراق لتغطية العجز المالي.

وتجري العملية وفق الآلية الآتية:

  1. تصدر وزارة المالية سندات حكومية
  2. تقوم المصارف بشراء هذه السندات
  3. يوفر البنك المركزي السيولة للمصارف

وبذلك يتحقق تمويل غير مباشر للحكومة دون مخالفة صريحة للقانون.

3 الإصدار النقدي (زيادة الكتلة النقدية)

في حالات الأزمات الحادة قد يلجأ البنك المركزي إلى زيادة الكتلة النقدية بالدينار لتوفير السيولة للحكومة.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة، أبرزها:

  • ارتفاع التضخم
  • انخفاض القوة الشرائية
  • تراجع قيمة العملة الوطنية

السيناريو الأخطر – توقف النفط وتعطل النقل المالي

إذا افترضنا سيناريو يتضمن: توقف تصدير النفط،  إغلاق مضيق هرمز، تعطل النقل البحري، توقف حركة الطيران، وتعطل التحويلات المالية بالدولار، فإن الاقتصاد العراقي سيدخل في ما يسمى اقتصادياً أزمة سيولة سيادية.

ذلك لأن الإيرادات النفطية تمثل العمود الفقري للموازنة العامة، وأي توقف فيها يعني انقطاع المصدر الرئيسي للتمويل الحكومي.

معضلة الرواتب في الاقتصاد الريعي

تشير التقديرات المالية إلى أن الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية في العراق تستهلك سنوياً ما يقارب 50 مليار دولار.

وهذا الرقم الضخم يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، ما يعني أن الدولة العراقية تحولت عملياً إلى دولة رواتب ممولة من النفط.أي أن النفط لا يمول التنمية الاقتصادية فحسب، بل يمول استمرار الدولة نفسها.

سادساً: كيف يمكن للحكومة دفع الرواتب في هذه الظروف؟

في حال توقف الإيرادات النفطية وتعطل التحويلات المالية، ستجد الحكومة نفسها أمام مجموعة محدودة من الخيارات.

1 الاقتراض الداخلي

يمكن للحكومة إصدار سندات حكومية وبيعها إلى: المصارف الحكومية، المصارف الخاصة، وصناديق التقاعد غير أن قدرة السوق المالية العراقية على استيعاب هذه السندات تبقى محدودة.

2 استخدام الأرصدة الحكومية

قد تعتمد وزارة المالية على الأرصدة المتبقية في حساباتها لدى البنك المركزي، لكنها غالباً لا تكفي إلا لفترة قصيرة.

3 تقليل أو تأجيل الإنفاق

وقد يشمل ذلك: تأجيل المشاريع الاستثمارية، تخفيض النفقات التشغيلية، وتقسيط الرواتب

4 الإصدار النقدي

أي زيادة الكتلة النقدية بالدينار لتوفير السيولة، وهو حل سريع لكنه يؤدي غالباً إلى تضخم وارتفاع الأسعار.

مشكلة الدولار وسعر الصرف

الأزمة في مثل هذا السيناريو لا تتعلق بالدينار فقط، بل بالدولار أيضاً. فالعراق يحصل على الدولار أساساً من صادرات النفط، حسابات الحكومة لدى الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، والتحويلات المالية الدولية

وإذا تعطلت هذه القنوات فإن السوق ستواجه نقصاً حاداً في الدولار، ما يؤدي إلى: ارتفاع سعر الصرف، ضغط كبير على الدينار، واضطراب في السوق التجارية.

أزمة بنيوية في الاقتصاد العراقي

تكشف مثل هذه الأزمات حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة الاقتصاد العراقي، إذ لم يُبنَ هذا الاقتصاد خلال العقود الماضية على أسس إنتاجية متنوعة.

فالصناعة ما تزال محدودة، والزراعة ضعيفة، والضرائب تشكل نسبة ضئيلة من الإيرادات العامة.

وبذلك أصبحت المالية العامة قائمة على معادلة واحدة تقريباً: النفط = الموازنة = الرواتب = الاستقرار الاجتماعي.

يمكن تلخيص الإشكالية في النقاط الآتية:

  1. لا يجوز قانوناً للحكومة العراقية الاقتراض مباشرة من احتياطي البنك المركزي وفق قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004.
  2. التمويل الممكن للحكومة يقتصر على: الاقتراض الداخلي، إصدار السندات، وتعديل القانون في حالات استثنائية
  3. توقف النفط وتعطل التحويلات بالدولار قد يؤدي إلى أزمة سيولة سيادية.
  4. في مثل هذه الأزمة قد تضطر الحكومة إلى تقسيط الرواتب، طباعة النقد وتقليص الإنفاق العام

ما تكشفه هذه الأزمة ليس مجرد مشكلة مالية طارئة، بل خللاً هيكلياً في نموذج الدولة الريعية.

فالدولة التي تعتمد على مورد واحد لتمويل اقتصادها تبقى دائماً تحت سؤال خطير: ماذا يحدث للدولة إذا توقف هذا المورد؟

وفي الحالة العراقية لم يعد هذا السؤال نظرياً، بل أصبح سؤالاً واقعياً يفرض نفسه على المالية العامة وعلى مستقبل الاستقرار الاقتصادي للدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *