ما أَنْ تقرأ عنوان المجموعة الشعرية “تابوت” للشاعر طالب فرعون، حتى تتوقفَ عندهُ، فهو عنوان لافت ومثير للتساؤل عن القصدية في اختياره دون سواه باعتبارهِ العتبة الأولى للمضمون والمعنى العام للنصوص. وحتى صيغة النكرة التي جاء بها العنوان دون استخدام أداة التعريف، أضافت إبهاماً آخر وزادت من ضرورة تأمّل ذلك العنوان وإطالة الوقوف عنده إذن ثمَّة موت، وثمَّة رصد ومراقبة لموت الأشياء ومعانيها في الحياة العامة، الحياة العراقية بامتيازها الوطني المُعبَّأ بالخسائر والحسرات والانتظار الدائم الذي لا ينتهي لما يمكن أنْ يجودَ به الزمان العقيم، وجرّاء ذلك كله تبدأُ الحياة.. خلايا الحياة بالاحتضار في حين تبقى الروح الإنسانية الباسلة حاضرةً بتوقها الوجودي نحو الانعتاق من هذه القيود، ومحاولة الإنشاد والالتصاق بالنسغ الحيوي المتدفق في أعماقها.
وفي الهَّم الوجودي يعودُ الشاعر إلى أساس الخليقة التكويني، إلى الطين بهيأتهِ الأولى، حيث تتنازعهُ الملائكة والشياطين، وهذا الطين الثقيل والمُلوَّث بالخطيئة والمعصية ما زال يعيق عملية التحليق للخلاص من ذلك القدر وقيودِهِ، وفي خضم هذا الاشتباك الحياتي يقول الشاعر: (لماذا علينا أن نستمر؟) حيث ينبثقُ السؤال عن الحياة والمعنى والوجود.
ويأخذُ تجسيد الموت عبر المعادل الصوري والتعبيري مديات متباينة يمتدُّ من المُدن المُهملة، والأحلام المُحبطة، والسير لمسافات طويلة في طرق مجهولة وقد تراكمتْ الخيبات مِثلَ مياه ٍ آسنة، وترَكتْ آثارَها وندوبَها على جسد تلك الحياة التي نحياها ممهورةً باللوعة والندم والحسرة، وقد تمطرُ السماء حزناً وتمحو تواريخ البهجة، وتشيع الخوف والألم والهزيمة لتتركَ لنا حياةً بائسةً تسيرُ ببطءٍ ورتابةٍ مقيتة.
فرعون يكتبُ نصوصَه الشعرية القصيرة والمُكَثَّفة مثلما يطلقُ حسرة ثقيلة من صدرِهِ، وغالباً ما تبدو تلك النصوص المنفردة القصيرة وكأنها اقتطعت مِن نَصّ طويل، أو كأنها غصن صغير تمَّ قطعهُ من شجرةٍ مُورقةٍ أحاطتْ بها النيران وقد نبتتْ في مكانٍ ما لا يُفصحُ عنه الغصن المقطوع، ولذا يعمدُ الشاعر إلى التقاط ذلك الغصن الساقط من الشجرة فتمتدُ أصابعهُ لإنقاذهِ من نيران الأيام التي تحرقُ كلَّ ما يكتبُ.
ويمكن النظر إلى تلك المقاطع الشعرية القصيرة المكتنزة بالمعنى، وقراءتها على أنَّها الجانب التعبيري من الأنفاس المُتقطعة التي بتنا نلهثُ بها ونحن نطارد حياتنا الهاربة من أجل اللحاق بها والإمساك بمعناها، وتأتي تلك المقاطع المتتالية تعبيراً عن الصوت المخنوق أو المبحوح للشاعر وقد تمَّ إحكام الخناق على حنجرتهِ، وها هو يئِّنُ تحتَ وطأتها الثقيلة، ومن هنا تأتي النصوص وكأنَّها كلمات من بين أنفاس لاهثة.. أنفاس متقطعة بفعل اللهاث الحياتي اليومي ومأزقه الوجودي الصعب لإنسانٍ مُرهَقٍ تحيطُ به عوالم يطغى عليها الموات والنضوب والشحوب والمشقة والعذاب.
وعلى صعيد البناء اللغوي لتلك النصوص المقطعية فأنَّها غالباً ما تأتي مُكَوْنةً من جملة لغوية واحدة، وما يلحق بها دون استطراد أو تداعيات أو استذكارات، وأحياناً يتكوَّن المقطع الشعري من خمس أو تسع كلمات موزعة بين سطرين، وكأني بالشاعر هنا يكتفي باجتياز حاجز الصمت والسكون بأقل ما يُمكنُ من الكلمات.
وتبرز (الحرب) ثيمةً رئيسةً لبعض النصوص وتطغى بأجوائها وبشاعتها على مفردات النصوص حيث يتبدى الموت والتابوت الفارغ الجاهز لاستقبال جثة الحياة نفسها بأقسى الصور، وأكثر معانيها حضوراً وتجسيداً .
ويرصد الشاعر صور الموت ويقدِّمُها بذات البناء المقطعي للنصوص وغياب العناوين ليكتب تاريخ الحرب قتيلاً.. قتيلاً أو يحاول أنْ يبعث بالرسائل التي نسي كتابتها أثناء تلك الحرب وذلك لانشغالهِ باتقاء نارها، حيث يُساق الإنسان إلى الموت مسكوناً بالخوف، وتكثر الثقوب في الأجساد التي تنزُّ دماً،وحتى حين يَكتبُ الجنود أسماءَهم على حائط ٍ ما فإن الرصاص سرعان ما ينهمر على ذلك الحائط لتموت الذكرى وصاحب الاسم، وكذلك يموت المعنى. نعودُ إلى ذات البناء المقطعي القصير وإن بَدَتْ بعض المقاطع أكثر كثافة وقصراً حيث سادتِ المقاطع ذات السطور الثلاثة أو السطرين، لكننا نلحظ في بعض النصوص أنَّ ثمَّة ضوءًا خافتا لانتظار شيءٍ ما ورُبَّما محاولة للتحليق مرة أُخرى، حيث يقف الشاعر وهو على أعتاب الكهولة بانتظار حلم جميل ينبض به قلبُهُ الذي ما زال يافعاً، ويحاول أنْ يَمسكَ بما تبقّى لهُ من وقت بعد أنْ رَفَعَ ضمادات الحرب عن جسدِه وبدا يتنفّسُ الحياة من جديد، مع اعتقادهِ أنَّ لهُ بهجة مؤجلة، كما أنَّ ذلك الضوء الخافت يجعلهُ يرى بوضوح الفرحة الطارئة والخطوة الأولى في المسير إلى الله ومحاولة إطفاء الحرائق التي في القلب وانتظار نمو العشب.


