قراءة تحليلية في الواقع الاقتصادي والاجتماعي
أعلنت وزارة الإعمار والإسكان العراقية عن إطلاق مشروع “مدينة الجواهري السكنية”، مبشرةً بأسعار تنافسية ونظام استثماري جديد، وحددت سعر المتر المربع بـ900 ألف دينار، مع تنوع في النماذج السكنية ومساحات الأراضي. ورغم ما يبدو من إيجابية في الطرح الرسمي، إلا أن التحليل العلمي والاقتصادي يكشف أن المشروع يمثل حلقة جديدة من المشاريع التي تُصمم لتخدم فئة محدودة من المتنفذين، لا السواد الأعظم من المواطنين.
البنية الاقتصادية للمشروع – خصخصة السكن العام؟
الحديث عن “نظام استثماري” يعني عملياً نقل إدارة وتطوير وتسويق المشروع إلى القطاع الخاص، وهذا يتطلب تساؤلاً محورياً: هل تمثّل هذه الخطوة إصلاحاً حقيقياً أم خصخصة مقنّعة لخدمات الدولة؟
في الواقع، معظم تجارب الاستثمار السكني في العراق خلال العقدين الماضيين أظهرت أن هذه المشاريع لا تخدم ذوي الدخل المحدود، بل تتحول إلى أدوات ربحية بيد التجار والمستثمرين المتصلين بالسلطة، مع غياب حقيقي لأي رقابة عادلة على أسعار البيع وآليات التسويق.
الأسعار المعلنة – تنافسية لمن؟
سعر المتر المربع البالغ 900,000 دينار (حوالي 600 دولار) يعني أن قطعة الأرض بمساحة 250م² ستُكلف 225 مليون دينار كحد أدنى، دون احتساب كلفة البناء أو الضرائب أو الرسوم الإدارية.
فهل هذا السعر يتناسب مع متوسط دخل الفرد العراقي، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من 30% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، ومتوسط الراتب الشهري لا يتجاوز مليون دينار في أحسن الحالات؟
إن الحديث عن أسعار “تنافسية” في هذا السياق يُعد تسويغاً مضللاً، فالتنافس الحقيقي يجب أن يكون مع مشاريع إسكانية حكومية مدعومة، وليس ضمن مضمار سوقي رأسمالي لا يراعي العدالة الاجتماعية.
التسويق عبر مستثمرين مفوضين – فتح بوابة للاحتكار؟
اختيار الوزارة تسويق المشروع عبر “مستثمرين مفوضين” يثير شكوكا حول احتمالات الفساد أو الاحتكار، إذ غالباً ما تتحول هذه المفوضية إلى طبقة وساطة تستفيد من هوامش ربح مرتفعة على حساب المواطن.
ويغيب في الإعلان أي حديث عن آليات ضبط هذه العقود، أو شروط التنافس العادل، أو هوية الشركات المستثمرة، ما يفتح الباب أمام تغوّل مافيات العقارات وتجار غسل الأموال، خصوصاً في ظل البيئة النقدية الهشة وسيولة الدولار المهربة.
نسبة الـ 10-25% المجانية – دعم شكلي أم التفاف مؤسساتي؟
تخصيص نسبة من الوحدات “مجاناً” للدولة لتُمنح للفئات المستحقة هو بند يُطرح عادة لكسب الشرعية الشعبية، لكن التجربة العراقية أثبتت أن هذه النسب تُدار غالباً عبر قنوات حزبية وولائية أو تُباع لاحقاً بطرق ملتوية.
ويغيب في هذا الطرح أي إطار قانوني يحدد آلية الفرز، ومعايير الاستحقاق، وآليات الطعن أو الشفافية في التوزيع.
غياب الحلول الواقعية لمشكلة السكن
إن العراق بحاجة إلى سياسات إسكانية عادلة تقوم على أساس:
- تمويل مشاريع بناء جماعي مدعوم ضمن المدن المكتظة،
- قروض إسكان ميسرة بدون كفلاء أو شروط تعجيزية،
- مشاركة اتحادات السكن والتعاونيات الحقيقية،
- والحد من المضاربة العقارية التي تصنع طبقة “المدن المخملية” وتُقصي الطبقة المتوسطة والفقيرة.
مشروع الجواهري السكني – من حيث التصميم الاقتصادي – لا يمثل حلاً لأزمة السكن بقدر ما يعمّق فجوة التملك بين الطبقات، ويشرعن احتكار الأرض والسكن من قبل رأس المال السياسي.
إن الرهان على الاستثمار الحر كبديل للعدالة السكنية هو قفز على المعاناة الحقيقية للعراقيين، ومحاولة لتجميل فشل السياسات الحكومية السابقة في معالجة جذور المشكلة.
يجب أن تُخضع هذه المشاريع لتقييم مستقل من قبل الرقابة المالية وهيئة النزاهة، كما يجب مساءلة الوزارة حول طبيعة الشراكة مع المستثمرين، والجدوى الاجتماعية للمشروع، مع إشراك نقابات الإسكان والجامعات في مراقبة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمخططات السكنية الكبرى


