من طهران الى بكين، هل يصبح الاعتداء الجديد، بوابة لولادة نظام عالمي مختلف؟
أواسط شهر حزيران المنصرم، ارتكب الكيان الصهيوني بدعم امريكي، اعتداءات واسعة على مواقع نووية وعسكرية إيرانية، استهدفت منشآت “فوردو، نطنز وأصفهان”، بالإضافة إلى اغتيال عدد من العلماء والقادة العسكريين في الحرس الثوري، لم تتأخر طهران في الرد، إذ أطلقت خلال ساعات موجة من الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة نحو العمق “الإسرائيلي!”، لتدخل المنطقة في مواجهة عسكرية مباشرة استمرت اثني عشر يوماً.
وفي اليوم العاشر من المواجهة، تدخلت الولايات المتحدة بشكل خجول عبر قصف رمزي لمواقع نووية إيرانية، ما دفع طهران للرد باستهداف القاعدة الأمريكية في قطر، وتحت وطأت الضربات الإيرانية المدمرة، طلبت “إسرائيل”! وامريكا، وقف العمليات العسكرية، لكن يبدو وكأنه توقف مؤقت، فيما يشبه هدنة غير رسمية، وكل المؤشرات الحالية تنذر باحتمال تجدّد العدوان في أي لحظة.
التحضيرات لاعتداء جديد:
مع انتهاء الجولة الأولى المباشرة بين الجمهورية الإسلامية والكيان الصهيوني، بات واضحًا أن الهدنة التي أعقبت القصف المتبادل لا تمثل نهاية للصراع، بل مجرد توقف مؤقت قبل تصعيد محتمل، وسائل اعلام عربية واجنبية نقلت تسريبات استخبارية غربية و”إسرائيلية!” تتحدث عن تحضيرات مشتركة بين واشنطن و”تل أبيب!” لشن اعتداء جديد يستهدف إيران مجددا، لكن هذه المرة سيكون بصورة اشمل ونطاق اوسع حسب التقارير.
هذه المؤشرات تتقاطع مع تحذيرات صدرت من طهران، التي اعتبرت أي محاولة لاستئناف الاعتداءات بمثابة إعلان حرب شاملة، وهنا تبرز الصين مجددًا كفاعل قد لا يكتفي بالمراقبة.
بكين تعتبر إيران شريكًا استراتيجيًا ضمن مشروع “الحزام والطريق”، وأي انهيار أمني في الداخل الإيراني قد يهدد خطوط التجارة والطاقة.
ومن المتوقع أن تقوم الصين بتعزيز تعاونها الاستخباراتي والتقني مع طهران، وربما رفع مستوى التنسيق الأمني خلف الكواليس.
كل ذلك يُنذر بأن الجولة القادمة، إن وقعت، لن تكون إيرانية-“إسرائيلية!” فحسب، بل حلقة في صراع عالمي أشمل.
لماذا قد تتدخل الصين؟:
رغم أن الصين تتبع سياسة اللاعب الصامت، وعدم التورط المباشر في النزاعات، إلا أن الحرب الأخيرة بين إيران و”إسرائيل!”، والتدخل الأمريكي المباشر، جعلت الصين أمام استحقاق استراتيجي لا يمكن تجاهله، ويمكن تلخيص اهداف بكين في المحاور التالية:
– حماية مصادر الطاقة: تعتمد الصين بشكل كبير على نفط الخليج، وتشكل إيران نقطة رئيسية في أمنها القومي، وأي تصعيد في مضيق هرمز أو استهداف للمنشآت الإيرانية يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الصينية.
– مواجهة الاستراتيجية الأمريكية لتطويقها: تُدرك بكين أن واشنطن تسعى إلى إشغالها بحروب هامشية، سواء في الشرق الأوسط أو بحر الصين الجنوبي، وتعتبر أن إشعال حرب ضد إيران هو جزء من محاولات تطويقها جيوسياسياً.
– حماية مشروع “الحزام والطريق”: تشكل إيران عقدة لوجستية في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وأي اضطراب في الاستقرار الإيراني قد يؤدي إلى تعطيل خطوط التجارة الصينية نحو أوروبا وآسيا الوسطى.
– الدفاع عن شركاء استراتيجيين: العلاقات الصينية-الإيرانية تتجاوز البعد الاقتصادي إلى تعاون عسكري وتقني، وهو ما يجعل بكين ترى في ضرب طهران محاولة لإضعاف محور دولي صاعد يضمها إلى جانب روسيا وإيران.
– ردع الهيمنة الغربية: ترى الصين أن استمرار الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط يهدد بتقويض التوازن العالمي الجديد الذي تعمل على ترسيخه، ومن هنا، قد يكون تدخلها غير المباشر في دعم طهران جزءاً من ردها على التمدد الأمريكي.
السيناريوهات المحتملة:
- تصعيد محدود مدعوم بالتكنولوجيا الصينية:
في حال تجدّد الصراع، قد تستفيد إيران من دعم صيني غير مباشر من خلال منظومات متقدمة مثل:
– منظومة الدفاع الجوي (HQ-9B) المتطورة: تستطيع اعتراض الطائرات الشبحية والصواريخ البالستية.
– الأقمار الصناعية (Yaogan) للاستطلاع والتجسس: قادرة على رصد حاملات الطائرات ومنصات الاطلاق بدقة.
– أنظمة التشويش والحرب الإلكترونية: لتعطيل شبكات الاتصالات والرادارات وأنظمة الملاحة.
ووفقا لتقارير استخبارية غربية، يُعتقد أن هذه الأسلحة قد تُسلَّم عبر قنوات غير رسمية أو من خلال شركات صينية خاصة، كما حدث مع روسيا في حربها مع أوكرانيا.
• حرب إقليمية شاملة والصين لاعب خلف الستار:
في هذا السيناريو، قد تُوسّع الصين تدخلها عبر وسائل غير مباشرة، وبالإضافة الى ما تقدم في السيناريو الأول قد تقوم بإرسال مستشارين عسكريين الى إيران، وتزويد حلفاءها في لبنان، اليمن والعراق، بتقنيات مراقبة تعتمد على الأقمار الصناعية الصينية، وتقديم الدعم اللوجستي والاقتصادي، عبر منظومات الدفع البديلة عن”SWIFT”، مثل “CIPS” وغيرها لتجاوز العقوبات.
• ردع نووي وتكون الصين ضامن غير معلن:
قد ترفع الصين منسوب الردع بإيصال رسالة واضحة، بأن أي استهداف للمواقع الحساسة، العسكرية والاقتصادية الإيرانية، يمس مصالحها الحيوية، ما يدفعها لتثبيت منظومات إنذار مبكر أو تقديم غطاء تقني لجميع المراكز الحساسة في الجمهورية الإسلامية.
• وساطة سياسية وبكين صانعة سلام جديدة:
إذا استشعرت الصين، أن النزاع يهدد استقرار المنطقة بما يضر بمصالحها، فقد تتحرك دبلوماسياً عبر مبادرات جماعية للأمن الإقليمي، واستخدام منصة “بريكس” لتقريب وجهات النظر بين طهران ودول المنطقة العربية وغيرها مما يؤدي لعزل “إسرائيل!”، واجبارها على الانكفاء داخليا.
أخيرا:
الحرب الأخيرة كشفت ان الشرق الأوسط لا يزال مسرحا مهما للتنافس الدولي، لم تعد فيه الجمهورية الاسلامية لوحدها، بل هي جزء من صراع عالمي، ومن الواضح أن الصين لم تعد تكتفي بدور المراقب الصامت، بل يبدو انها ستدخل في مواجهة معلنة، وستبذل كل ما بوسعها لمنع انهيار المنطقة، أو سقوطها ضمن النفوذ الأمريكي المطلق.
وهنا، يبقى السؤال: هل ستنجح الصين في ترسيخ حضورها كقوة عظمى؟ أم أن الحرب القادمة ستكشف حدودا غير ذلك؟


