من غير الصحيح ان يختزل البعض زيارة السيد اسماعيل قاآني إلى العراق في إطار السعي لتنصيب رئيس وزراء موالٍ لايران -رغم أهمية هذا الأمر بالنسبة لهم -، مع تجاهل التحولات الكبرى التي تشهدها المرحلة وما تحمله معها من إرهاصات تغييرات جذرية قد تعيد رسم ملامح المنطقة لسنوات طويلة، بل وقد تؤثر في تحديد وجه وشكل النظام العالمي القادم.
لذا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في هذا التصور الضيق لدور إيران في العراق، إذ لا يمكن حصره في حدود العملية السياسية أو اختزاله بمسألة تشكيل الحكومة. فطموح إيران يتجاوز ذلك بكثير، ليشمل السعي نحو إعادة صياغة هندسة العلاقات والتوازنات الإقليمية والدولية في المنطقة بما يضمنأمن ومصالح شعوبها مجتمعة.
وهنا نؤشر الى بعض ما يمكن رصده وفهمه من هذه الزيارة على النحو الاتي؛
1- اعتقد أن هذه الزيارة تأتي في سياق التأكيد على أن إيران لا تتدخل بشكل مباشر في تنصيب رئيس الوزراء العراقي، بقدر ما تسعى بالأساس إلى منع الإرادة الأمريكية من فرض ارادتها على القرار السياسي العراقي، وقطع الطريق أمام أي محاولة لتكريس الهيمنة الأمريكية عليه.
2- ترى إيران أنها بعد الحرب قد حققت تقدماً مهماً في مسار تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة، لذا فهي حريصة جدا على استكمال هذا المسار داخل العراق باعتباره ساحة محورية في هذا التوجه.
3- تعتقد إيران بضرورة تعزيز التقارب الكبير الذي نشأ بين الشعبين العراقي والإيراني، خصوصاً بعد تداعيات صراعها المحتدم حاليا مع الولايات المتحدة، وتسعى إلى ترجمة هذا التقارب على المستويات السياسية والاجتماعية.
4- تحمل الزيارة رسالة واضحة مفادها أن إيران لن تتخل عن العراق حتى وهي في خضم صراعها مع الولايات المتحدة واسرائيل ، وأن الرهان على انشغالها بتحديات أخرى لإضعاف حضورها في العراق هو رهان خاسر .
5- تحمل هذه الزيارة في طياتها دلالة واضحة على أن الدور الإيراني في المنطقة بات أكثر قوة وتأثيراً،
هذا الدور يتجه نحو ترسيخ نفسه كعامل أساسي في معادلات التوازن الإقليمي.
6- تؤكد الزيارة على أن الأمن القومي العراقي والإيراني مترابط، وأن أي تهديد لأحدهما ينعكس بشكل مباشر على الآخر، ما يستدعي تنسيقاً مستمراً بين الطرفين.
7- تأتي هذه الزيارة في سياق أوسع لتعزيز الخط المناوئ للهيمنة والنفوذ الأمريكي في المنطقة، ضمن رؤية تسعى إلى استقلال القرار الإقليمي برمته .
8- تكتسب الزيارة أهمية بالغة في السعي لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين في العراق عموماً، وبين القوى الشيعية على وجه الخصوص، بما يسهم في تقليل التوترات الداخلية ويعجل بتسمية رئيس الوزراء.
9- تحمل الزيارة رسالة ضمنية واضحة المعالم لتقويض مساعي الولايات المتحدة وجهودها الرامية لفرض هيمنتها واملاءاتها بشان تنصيب رئيس الحكومة العراقية خلافا لما افرزته العملية الانتخابية.
10- تعد الزيارة تعبيرا عن موقف حازم للجمهورية الاسلامية برفضها السماح مستقبلاً بجر العراق بشكل أعمق إلى المعسكر الأمريكي،
11- قد تؤشر الزيارة إلى ملامح نمط جديد من العلاقات الدولية، وفق رؤية إيرانية تدعو إلى تشكيل منظومة أمن إقليمي تضم دول المنطقة، مع اعتبار العراق ركيزة أساسية فيها.
12-بلحاظ النظر لحجم الجمهورية الاسلامية والدور العظيم الذي تلعبه في مواجهة قوى الاستكبار العالمي لا ينبغي اختزال أهداف الزيارة عند دعم أو رفض شخصية معينة لرئاسة الوزراء، بل هي أوسع من ذلك بكثير ، إذ انها تركز على تثبيت معايير القيادة المناسبة للعراق في ظل التحولات الإقليمية الكبرى.
وتأتي هذه المعايير التي تتطلع لها ايران في سياق ما تعتبره صموداً محورياً ينبغي ان ينجم عنه إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة من جديد.


