التصعيد لترميم ما تصدع من هيبة القوة، ولعل الدفع بالتي هي أحسن أحسن

التصعيد لترميم ما تصدع من هيبة القوة، ولعل الدفع بالتي هي أحسن أحسن
التصعيد الحالي يعكس صراع إرادات لإعادة ترميم الردع، لا تمهيدًا لحرب شاملة. تتوزع الاحتمالات بين مواجهة محدودة، استمرار التوتر، أو عودة الوساطة، مع ترجيح إدارة الصراع زمنياً، حيث يمنح الصمود والتفاوض فرصة لتحقيق مكاسب دون انفجار...

بعد تعثر مسار التفاهمات المرتبطة بملف باكستان، وإعلان خطوات تصعيدية من قبيل الحصار البحري، تدخل المنطقة مرحلة دقيقة لا تُقرأ بظاهرها فقط، بل بما تخفيه من حسابات أعمق. فالتصعيد في مثل هذه اللحظات لا يكون دائمًا مقدمة لحرب شاملة، بل قد يكون في كثير من الأحيان محاولة لإعادة رسم صورة القوة بعد أن أصابها التآكل.

إن ما نشهده اليوم هو صراع إرادات بقدر ما هو صراع أدوات. القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تدرك أن تراجع هيبتها في أي ملف، يفتح الباب أمام تراجعات أخرى، ولذلك تلجأ إلى رفع سقف التهديد، وإظهار الاستعداد للمواجهة، حتى وإن لم تكن راغبة فعليًا في الانزلاق إلى حرب واسعة. فالحصار، والتحشيد، والتصريحات الحادة، كلها أدوات ضغط، لكنها أيضًا رسائل موجهة لاستعادة الردع المعنوي قبل المادي.

في المقابل، تقف إيران على أرضية مختلفة، حيث لا تتعامل مع التصعيد بوصفه نهاية الطريق، بل كجزء من معادلة تفاوضية طويلة النفس. فهي تدرك أن خصومها، رغم قوتهم، محكومون بحسابات معقدة تمنعهم من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، ولذلك تراهن على عامل الزمن، وعلى قدرتها في الصمود وامتصاص الضغوط.

السيناريوهات المحتملة في هذا المشهد تتوزع بين ثلاثة مسارات رئيسية. الأول هو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محدودة، تُستخدم فيها القوة بشكل محسوب لتعديل قواعد الاشتباك دون الوصول إلى حرب شاملة. هذا السيناريو يبقى ممكنًا، لكنه محفوف بمخاطر الانفلات، خصوصًا في بيئة إقليمية مشبعة بالتوتر.

المسار الثاني هو استمرار التصعيد دون انفجار، أي بقاء الأمور في حالة شد وجذب، حيث تُستخدم الأدوات الاقتصادية والعسكرية والإعلامية لإدارة الصراع دون حسمه. وهذا السيناريو هو الأقرب في ظل توازنات الردع القائمة، حيث لا يمتلك أي طرف مصلحة حقيقية في كسر السقف بشكل كامل.

أما المسار الثالث، فهو عودة الوسطاء إلى الواجهة، وفتح نافذة أخيرة للتفاهم قبل فوات الأوان. التاريخ القريب يُظهر أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تصل إلى حافة الانفجار، ثم تتراجع بفعل تدخلات دبلوماسية مكثفة، حين يدرك الجميع أن كلفة الحرب تفوق مكاسبها.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بما سيحدث، بل لماذا يحدث ما يحدث. فالتصعيد في كثير من الأحيان ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لترميم صورة القوة. حين تشعر دولة ما أن هيبتها تعرضت للاهتزاز، تلجأ إلى استعراض القوة، ليس فقط لإخافة الخصوم، بل لإقناع الحلفاء قبل الأعداء بأنها ما زالت قادرة على الإمساك بزمام المبادرة.

لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة، لأن اللعب على حافة الهاوية قد يؤدي إلى السقوط فيها. وهنا تبرز أهمية خيار آخر، قد يبدو أقل صخبًا لكنه أكثر حكمة: الدفع بالتي هي أحسن. فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالقدرة على التصعيد، بل بالقدرة على تجنّب ما لا ضرورة له من صدامات، وتحقيق الأهداف بأقل كلفة ممكنة.

في هذا السياق، قد تحصل إيران في نهاية المطاف على ما تريده، ليس بالضرورة عبر المواجهة، بل عبر مزيج من الصمود والتفاوض وإدارة الوقت. فالتاريخ يُظهر أن من يملك القدرة على التحمل، ويفهم حدود خصومه، يستطيع أن يفرض شروطه تدريجيًا، حتى دون أن يطلق رصاصة واحدة.

وهكذا، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن الثابت فيه أن التصعيد ليس دائمًا طريق الحرب، بل قد يكون في جوهره محاولة لتأجيلها، أو لتجنبها بشروط أفضل. وبين من يراهن على القوة وحدها، ومن يدرك قيمة الحكمة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث قد يكون الانتصار الحقيقي هو في منع الانفجار، لا في إشعاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *