بين المطرقة الغربية وسندان البريكس؛ هل يمتلك العراق قرار الاستقلال المالي؟

بين المطرقة الغربية وسندان البريكس؛ هل يمتلك العراق قرار الاستقلال المالي؟
تناقش المقالة تداعيات بيان مجموعة البريكس على الاقتصاد العراقي، مبرزةً التحديات والفرص المحتملة في تقليل الاعتماد على الدولار والانفتاح على بدائل تمويلية، وتوصي بسياسة نقدية مرنة وتوازن جيوسياسي لتجنب المخاطر السياسية....

تأثيرات بيان مجموعة البريكس على الاقتصاد الدولي والعراقي على وجه الخصوص

شهد العالم في السنوات الأخيرة تصاعدًا في دور التكتلات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها مجموعة البريكس (BRICS) التي تضم (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا، وأضيفت لاحقًا دول جديدة مثل إيران، مصر، والإمارات والسعودية). ويأتي البيان الأخير الصادر عن قمة البريكس كمؤشر على تحولات استراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي، يتحدى فيه التكتل الهيمنة الغربية، ويقترح بدائل مالية وتجارية قد تُحدث آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمي، وخاصة اقتصاديات الدول الريعية أو المرتبطة بالدولار، مثل العراق.

أولاً: مضامين بيان مجموعة البريكس الأخير

ركز البيان الأخير الصادر عن قمة البريكس على ما يلي:

  1. الدعوة لنظام مالي عالمي متعدد الأقطاب.
  2. تعزيز استخدام العملات الوطنية في التبادلات التجارية بدلاً من الدولار الأمريكي.
  3. دعم إنشاء نظام دفع مستقل عن نظام سويفت (SWIFT).
  4. التأكيد على دعم التنمية المستدامة في الجنوب العالمي.
  5. توسيع عضوية البريكس لتشمل قوى اقتصادية جديدة، منها دول نفطية.

ثانيًا: التأثيرات على الاقتصاد العالمي

  1. تقويض هيمنة الدولار الأمريكي

  • يشكل اعتماد العملات المحلية بين أعضاء البريكس تحديًا مباشرًا لهيمنة الدولار، مما قد يؤدي إلى تقلبات في أسواق الصرف العالمية.
  • قد يشجع هذا التوجه بقية الدول على تخفيض اعتمادها على الدولار، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل خارطة الاحتياطيات العالمية.
  1. ولادة نظام تجاري ومالي بديل

  • إذا تم تنفيذ نظام الدفع المستقل، قد نشهد تجزئة النظام المالي العالمي بين نظام غربي وآخر بقيادة البريكس.
  • البنوك المركزية العالمية قد تضطر إلى التعامل مع نظامين ماليين منفصلين، مما يزيد من تعقيد السياسات النقدية الدولية.

 

  1. دعم الاستثمارات والبنية التحتية

  • عبر “بنك التنمية الجديد” التابع للبريكس، تتجه المجموعة لدعم مشاريع البنية التحتية في الدول النامية بعيدًا عن شروط صندوق النقد الدولي، مما يوفر بدائل مالية جديدة لهذه الدول.

ثالثًا: التأثيرات المتوقعة على الاقتصاد العراقي

  1. تهديد موقع الدولار في العراق

  • العراق يعتمد بشكل شبه كامل على الدولار في احتياطياته وتجارته الخارجية، وأي توجه عالمي لتقليل الاعتماد عليه سيؤثر على استقرار العملة وسوق الصرف المحلي.
  • إذا قررت الحكومة العراقية الانفتاح على البريكس أو التعامل باليوان أو الروبل، فستحتاج إلى تحولات استراتيجية في السياسة النقدية والبنكية.
  1. فرص للتمويل بعيدًا عن الهيمنة الغربية

  • قد يمثل “بنك التنمية الجديد” فرصة للعراق للحصول على تمويل لمشاريع البنى التحتية والطاقة دون الخضوع لشروط قاسية كما في صندوق النقد أو البنك الدولي.
  • لكن هذا مشروط بانضمام العراق للمجموعة أو نسج علاقات استراتيجية معها.
  1. التحديات السياسية والأمنية

  • العراق في موقع جغرافي حساس بين نفوذ أمريكي-غربي وإيراني-روسي-صيني، ما يجعل أي انحياز اقتصادي للبريكس محفوفًا بالمخاطر السياسية.
  • التحول نحو البريكس قد يفتح أبوابًا للتعاون التقني والاستثماري، لكنه في المقابل قد يُقابل بـ ضغوط غربية وعقوبات محتملة.

رابعًا: توصيات للعراق في ضوء بيان البريكس

  1. تقييم الانضمام المحتمل لمجموعة البريكس أو بناء شراكات استراتيجية معها عبر مذكرات تفاهم ثنائية.
  2. تنويع أدوات الدفع والتجارة الخارجية لتقليل الاعتماد على الدولار، بشكل تدريجي وآمن.
  3. الاستفادة من بنك التنمية التابع للبريكس كبديل تمويلي لمشاريع الطاقة والمياه والبنية التحتية.
  4. دعم سياسة نقدية مرنة وتطوير البنية التحتية المصرفية لتواكب أي تغييرات في النظام المالي العالمي.
  5. الموازنة الجيوسياسية الدقيقة بين القوى الغربية وأعضاء البريكس لتجنب التصادم السياسي.

يمثل بيان البريكس الأخير تحديًا حقيقيًا للهيمنة الاقتصادية الغربية، ويشير إلى ولادة نظام اقتصادي متعدد الأقطاب. بالنسبة للعراق، فإن هذا التحول يحمل فرصًا اقتصادية وتمويلية مهمة، لكن في الوقت ذاته، يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر السياسية والنقدية. على الحكومة العراقية أن تتابع تطورات البريكس بشكل دقيق، وأن تضع استراتيجية مرنة تتيح لها الاستفادة من التحولات دون التفريط باستقرارها المالي والسياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *