إلـى كل الذين ينادون اليوم بحصر السلاح أو نزعه أو تنظيمه استجابة لضغوط وأوامر أمريكية صهيونية واضحة: من السياسيين العراقيين .. والمقاومين “السابقين” الذين حليت الدنيا ومناصبها وأموالها وجكساراتها وتاهواتها بأعينهم .. والمحللين السياسيين الذين “يحللون” ما حرم الله تبارك وتعالى .. إلى كل مَـن يقدّم هذه الرؤية بوصفها قدراً سياسياً لا نقاش فيه ثمة سؤال ينبغي أن يُـطرح قبل كل شيء: هـل قرار “حصر، نزع، تنظيم” السلاح قرار عراقيّ مستقل أم أنه استجابة لإرادة أمريكية صهيونية؟ “يلي ما تهزكم التغريدة ولا تحسبون لتوم باراك ألف حساب وحساب”!
إن قضية السلاح في العراق لا يمكن اختزالها في ثنائية التأييد أو الرفض، لأنها ترتبط بصورة الدولة التي يريد العراقيون بناءها، وبطبيعة القرار السيادي وآليات حماية الأمن الوطني. فالدستور العراقي يجعل وضع سياسة الأمن الوطني وإدارة القوات المسلحة من الاختصاصات الاتحادية، كما ينص على خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية ويحظر تشكيل الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة؛ ولذلك فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يدور حول كيفية تطبيق هذه المبادئ ضمن قرار عراقي مستقل، لا حول تحويلها إلى أداة للضغط السياسي أو الخارجي.
الـمسألة يا أبناء الوطن من “ساكنيه وناهبيه وبائعيه” ليست مجرد شعار يُـرفع ولا مادة لتحليل سياسي يتغير بتغير المصالح والمواقع، إنها قضية ترتبط:
١- بالأمن الوطني.
٢- وبطبيعة الدولة.
٣- وبموازين القوة.
٤- وبالتهديدات التي تحيط بالعراق والمنطقة.
ومن هنا فإن أي نقاش جاد بشأن السلاح ينبغي أن ينطلق من سؤال السيادة أولاً: من يحدد الخطر الذي يواجه العراق؟ ومن يضع أولويات الأمن الوطني؟ ومن يقرر توقيت التحول في منظومة السلاح؟ فالقرار الذي يمس بنية القوة والأمن في الدولة لا ينبغي أن يُبنى على ضغط خارجي أو ظرف إقليمي عابر، بل على تقدير عراقي للمصلحة الوطنية، وعلى مؤسسات دستورية قادرة على تحمل مسؤولية القرار ونتائجه. وهذا لا يلغي حق الدولة في تنظيم السلاح، وإنما يضع التنظيم نفسه داخل سياق السيادة والقانون والمصلحة الوطنية.
لـذلك فإن مناقشتها وإتخاذ القرار بشأنها يحتاج إلى رؤية عراقية واضحة لا إلى ترديد ما تريده أمريكا “أم التغريدة الما تخوفكم ولا ترعبكم ولا خلتكم تغيرون مواقفكم”، ولا إلى ترديد ما يريده الكيان الصهيوني الإرهابي.
كما أن التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أظهرت أن ملف السلاح يتداخل مع ملفات الأمن والسياسة والعلاقات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن معالجته لا يمكن أن تتم بمنطق الشعارات وحده. فحصر القرار الأمني بالدولة، إذا كان هو الهدف، يحتاج إلى بناء مؤسسات أمنية قوية، وإلى تعريف واضح للعلاقة بين القوات الرسمية والقوى التي نشأت في ظروف الصراع، وإلى معالجة سياسية وقانونية متدرجة تمنع أن يتحول تنظيم السلاح إلى مصدر جديد للصراع الداخلي. وبذلك يصبح معيار القرار هو قدرة العراق على حماية أمنه وسيادته، لا مقدار انسجامه مع رغبات أي عاصمة خارجية.
وأقـول خصوصاً لبعض الذين كانوا بالأمس يتحدثون عن المقاومة والسلاح والسيادة ثم تغيّـرت مواقعهم وتبدلت معها حساباتهم السياسية: لا تجعلوا تغير الموقع سبباً لتغير المبادئ. أنا أُذكر الجميع بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ﴾ [ سورة النساء: ١٠٢].


