إذا كان 30 أيلول يمثل نهاية الوجود العسكري الأمريكي بصورته الحالية، فإن السؤال الأخطر ليس متى خرجت القوات، بل ماذا تركت وراءها، وماذا ينبغي على العراق أن يتوقع بعد خروجها. فالولايات المتحدة لم تكن قوة عسكرية عابرة في العراق. فمن العقوبات والحروب التي أضعفت الاقتصاد والبنية الخدمية، إلى حرب 2003 وما أعقبها من إدارة مباشرة للعراق وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة والأمن، كانت واشنطن عاملا مركزيا في صناعة البيئة التي نشأ فيها العراق الجديد. وقد وثقت التقارير الدولية والأمريكية حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد، كما وثقت إجراءات سلطة الائتلاف في إدارة الدولة وحل الجيش السابق وإعادة بناء المؤسسات الأمنية. ولهذا فإن التعامل مع نهاية الوجود العسكري وكأنها نهاية القضية سيكون خطأ استراتيجيا. فالقوة الكبرى لا تحتاج دائما إلى جنودها داخل البلد لكي تؤثر فيه.
قد تتغير الأدوات، ويبقى التأثير عبر الاقتصاد والمال والعلاقات الدولية والأمن والمعلومات وشبكات المصالح. فخروج القوات يغير شكل الحضور، لكنه لا يلغي بالضرورة أدوات التأثير التي تراكمت خلال سنوات طويلة. ومن هنا يجب أن يكون السؤال العراقي أكثر عمقا: هل خرجت القوات فقط، أم أن العراق أصبح يمتلك من المقومات ما يمنع عودة التبعية بأشكال جديدة؟ فالمشكلة لا تختصر في وجود قوة أجنبية داخل الأرض العراقية، وإنما في قدرة الدولة على حماية قرارها عندما تتغير أدوات التأثير وتختل موازين القوة. وهنا ينبغي أن يكون التشخيص أكثر صراحة. فقد صنعت المرحلة الأمريكية بيئة سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد، لكن استمرار هذه البيئة لم يعد مسؤولية الخارج وحده. فقد ظهرت داخل العراق قوى ومصالح استفادت من حالة الضعف والانقسام، وأصبحت بعض الاختلالات التي نشأت في تلك المرحلة جزءا من توازنات داخلية يصعب المساس بها. وهذا هو الخطر الحقيقي: أن يتحول ما كان في الأصل نتيجة لمرحلة استثنائية إلى أمر واقع دائم، ثم تصبح هناك مصالح عراقية تحمي استمراره.
عندها لا يحتاج الخارج إلى فرض كل شيء بنفسه؛ يكفي أن يجد في الداخل من يدافع عن الوضع القائم لأنه يخدم موقعه أو نفوذه أو بقاءه. ولهذا لا يجوز أن يبنى مستقبل العراق على الخوف من الولايات المتحدة، كما لا يجوز أن يبنى على الوهم بأنها فقدت كل أدوات التأثير بمجرد مغادرة قواتها. المطلوب دولة تستطيع التعامل معها ومع غيرها من موقع المصلحة والندية، لا من موقع الخضوع ولا من موقع التحدي الأعمى. وهذا يبدأ من الداخل. فالسيادة لا تحمى بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، ونظام مالي قوي، وعلاقات اقتصادية متنوعة، وصناعة وزراعة وطاقة قادرة على تقليل الاعتماد على الخارج، وبنية تحتية مستقرة، ومؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على حماية البلد وقرار الدولة. فالاقتصاد ليس ملفا خدميا منفصلا عن السيادة. الدولة التي تعتمد في غذائها أو طاقتها أو صناعتها أو تجارتها أو تمويلها على الخارج تبقى معرضة للضغط حتى لو لم يوجد جندي أجنبي واحد على أرضها. ولذلك فإن بناء اقتصاد منتج ومتنوع يمثل جزءا من بناء القدرة الوطنية، تماما كما تمثل المؤسسة العسكرية والأمنية جزءا آخر منها.
والأهم أن يتوقف المسؤول العراقي عن النظر إلى هذه الملفات بوصفها قضايا مؤجلة يمكن تجاوزها حفاظا على التوازن السياسي أو الكرسي. فالدولة التي تخشى فتح ملفاتها الكبرى خوفا من الداخل أو الخارج ستبقى عاجزة عن معالجة أسباب اختلالها، وسيظل قرارها السياسي محكوما بما تستطيع الأطراف المؤثرة أن تمنحه أو تمنعه. إن خروج القوات الأمريكية ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة النظر في العراق الذي تركته هذه المرحلة، لا مناسبة لإغلاق الملف. يجب أن يسأل العراق: ما الذي دمرته الحروب؟ ما الذي أعادت واشنطن تشكيله؟ ما الذي بقي من آثار تلك المرحلة داخل مؤسسات الدولة؟ وما الذي استغلته القوى الداخلية والخارجية بعد ذلك؟ وما الذي يجب تفكيكه وإعادة بنائه؟ فإذا خرجت القوات وبقي الاقتصاد ريعيا، والصناعة معطلة، والزراعة ضعيفة، والطاقة مرتبطة بالحاجة إلى الخارج، ومؤسسات الدولة قابلة للاختراق، والقرار السياسي مترددا أمام الضغوط، فإن تغيير شكل الوجود لا يعني بالضرورة تغيير موازين القوة. أما إذا استطاع العراق أن يبني اقتصادا منتجا، ومؤسسات قوية، وقوة وطنية منضبطة، وقرارا سياسيا لا يخضع للخوف من الخارج ولا لمصلحة الكرسي في الداخل، فعندها يستطيع التعامل مع أمريكا وغيرها على أساس المصالح، لا على أساس الحاجة والخوف. فالعراق لا يستطيع حماية استقلاله بالخطاب السياسي وحده.
الواقع الإقليمي والدولي يفرض امتلاك عناصر قوة حقيقية، لأن الدولة التي لا تملك ووبناء القوة والمقاومة، وفق معطيات الواقع الأمني العراقي، ليس ترفا ولا شعارا للاستهلاك الداخلي، وإنما جزء من منظومة حماية الدولة عندما تتعرض سيادتها للتهديد. والمقصود بالمقاومة هنا أن تكون ضمن مفهوم أوسع للردع الوطني وحماية البلد، لا بديلا عن الدولة ولا قوة منفصلة عن مؤسساتها. فالقوة الوطنية المتماسكة تقوم على جيش وأجهزة أمنية ومؤسسات دولة قوية، وقدرات وطنية رادعة، واقتصاد قادر على الصمود، وعلاقات متوازنة، ومجتمع لا يسمح بتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لصراع الآخرين. والدولة التي لا تملك وسائل الردع تترك مساحة لغيرها لفرض حساباته عليها.
والشواهد السابقة كداعش خير برهان لذلك فإن المطلوب هو بناء قوة وطنية متعاونة يكون هدفها حماية العراق وسيادته . وعند هذه النقطة تتضح المسألة بصورة أكبر: الاستقلال ليس مجرد غياب الجندي الأجنبي، كما أن السيادة ليست مجرد امتلاك خطاب سياسي رافض للتدخل. الاستقلال الحقيقي هو أن يمتلك العراق القدرة الاقتصادية والأمنية والمؤسسية والسياسية التي تجعله قادرا على اتخاذ قراره وتحمل كلفة هذا القرار وحمايته. فإذا استطاع العراق الوصول إلى هذه المرحلة، فإن علاقته بأمريكا وغيرها تصبح علاقة مصالح قابلة للتفاوض، لا علاقة حاجة تفرض فيها موازين القوة حدود الممكن. أما إذا بقيت عناصر الدولة الأساسية مرتبطة بالخارج أو رهينة لصراعات الداخل، فإن تغيير الأدوات لن ينهي قابلية العراق للتأثر بها. المطلوب ليس أن يخاف العراق من أمريكا، ولا أن يتحدى أمريكا لمجرد التحدي؛ المطلوب أن يبني العراق من القوة ما يجعله قادرا على أن يقول نعم عندما تكون المصلحة نعم، ولا عندما تكون المصلحة لا، وأن يتحمل مسؤولية قراره ويحميه. فالقوة في الدولة ليست غاية بذاتها، وإنما وسيلة حتى لا يصبح قرارها ملكا لغيرها
سائل حماية قرارها تصبح أكثر عرضة للضغط والتدخل.


