السماء العراقية تحت ضغط العقوبات الأمريكية

السماء العراقية تحت ضغط العقوبات الأمريكية
تتناول الأزمة الجوية بين العراق وإيران بوصفها اختباراً للسيادة العراقية، موضحةً تأثير العقوبات الأمريكية على حركة الطيران، والحاجة إلى إدارة متوازنة تحفظ المصالح الوطنية بعيداً عن تحويل العراق إلى ساحة صراع...

لم تعد أزمة الطيران الإيراني في العراق مجرد إجراء يتعلق بتعليق عدد من الرحلات الجوية أو إعادة تنظيم حركة الطائرات بين بغداد وطهران، بل تحولت إلى ملف سياسي وسيادي واقتصادي بالغ الحساسية، بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة وواسعة على قطاع الطيران الإيراني، انعكست بصورة مباشرة على حركة الطيران الإيراني في عدد من المطارات العراقية، ودفعت بغداد إلى الدخول في حوار مباشر مع واشنطن للحصول على استثناءات تسمح باستئناف الرحلات لأغراض إنسانية ومدنية . وهنا يبرز السؤال الأهم .. هل نحن أمام عقوبات أمريكية على الطيران الإيراني فقط، أم أمام شكل جديد من الضغط الجوي الذي بدأت آثاره تمتد إلى القرار العراقي ومطاراته وسيادته ؟ في الثامن من أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات جديدة استهدفت عشرات الجهات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، في إطار حملة أوسع للضغط الاقتصادي على طهران . وشملت الإجراءات شركات طيران وشبكات مرتبطة بها، إلى جانب تحذيرات موجهة إلى الشركات الأجنبية التي تقدم خدمات لشركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات .

وتكمن خطورة هذه الإجراءات في أنها لا تكتفي بمنع التعامل المباشر مع الجهات الإيرانية المستهدفة، وإنما تجعل الشركات والمؤسسات التي تقدم لها خدمات أرضية أو فنية أو مالية أمام مخاطر العقوبات الأمريكية . وهنا يجب التمييز بين أمرين مهمين ، الأول أن الولايات المتحدة لم تعلن إغلاق المجال الجوي العراقي بقرار أمريكي مباشر، لأن المجال الجوي العراقي يخضع من حيث الأصل للسيادة العراقية، والثاني أن العقوبات الأمريكية خلقت واقعاً عملياً جعل شركات ومؤسسات مرتبطة بتشغيل الرحلات الإيرانية تخشى تقديم خدمات لها، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تعطيل الرحلات الإيرانية في عدد من المطارات العراقية . وبمعنى آخر، لم يكن الأمر في صورته القانونية الأولى إعلاناً أمريكياً بإغلاق الأجواء العراقية، وإنما كان استخداماً للعقوبات الاقتصادية والمالية لإحداث تأثير مباشر في قدرة الطيران الإيراني على العمل خارج إيران . لكن النتيجة على الأرض كانت مختلفة في أثرها، فقد توقفت الرحلات الإيرانية في مطارات عراقية عدة، من بينها بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، وأصبح آلاف المسافرين أمام واقع جديد يفرض عليهم الانتقال براً بين البلدين، في رحلة قد تمتد لساعات طويلة، الأمر الذي أصاب حركة السفر والسياحة الدينية والعلاج والدراسة والتجارة بحالة من الارتباك .

وتزداد أهمية هذا الملف بالنسبة للعراق بسبب طبيعة العلاقة الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية مع إيران. فالعراق وإيران لا يفصل بينهما مجرد حدود مشتركة، وإنما حركة بشرية وتجارية ودينية واسعة، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من العراقيين الذين يقصدون المدن الإيرانية للعلاج والدراسة، في حين يتوجه ملايين الزائرين من إيران إلى المدن العراقية المقدسة، ولا سيما النجف وكربلاء . ولذلك فإن تعطيل الطيران لا ينعكس على شركات الطيران وحدها، بل يمتد تأثيره إلى المطارات وشركات المناولة والنقل والفنادق والمطاعم وشركات السياحة والسفر والأسواق المحلية . وتبرز مدينة النجف الأشرف في قلب هذه المعادلة، نظراً إلى مكانتها الدينية وحجم الحركة الجوية المرتبطة بها . فالرحلات بين إيران والنجف ليست مجرد خطوط تجارية تقليدية، وإنما تمثل طريقاً رئيسياً للزائرين الإيرانيين، كما يستخدمها العراقيون المتوجهون إلى إيران لأغراض دينية وعلاجية وتعليمية . ولذلك فإن استمرار القيود لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى إعادة توزيع حركة المسافرين من الطيران إلى النقل البري، وهو ما يزيد الوقت والكلفة ويضع أعباء إضافية على كبار السن والمرضى والطلبة والزائرين . وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الشركات العراقية العاملة في قطاع الطيران والمطارات ترتبط بشبكة مالية وتجارية دولية، وأن العقوبات الأمريكية ليست مجرد إعلان سياسي يمكن تجاهله بسهولة . فالولايات المتحدة تمتلك أدوات اقتصادية ومالية قادرة على التأثير في الشركات التي تتعامل مع الجهات المشمولة بعقوباتها، ولذلك فإن بعض الشركات قد تفضل وقف تقديم الخدمة على المخاطرة بالتعرض للعقوبات أو فقدان قدرتها على التعامل مع النظام المالي الدولي . وهنا يجد العراق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد .. فإذا سمح باستمرار الرحلات الإيرانية بصورة طبيعية، فقد تواجه بعض مؤسساته وشركاته مخاطر العقوبات الأمريكية، وإذا أوقفها استجابة للضغط الخارجي، فقد يواجه انتقادات سياسية وشعبية تتعلق بالسيادة الوطنية واستقلال القرار العراقي .

وهذه ليست مسألة سهلة يمكن اختصارها بشعار مؤيد لواشنطن أو لطهران، لأن العراق في النهاية هو الطرف الذي سيدفع ثمن أي خطأ في الحسابات . ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس .. هل العراق مع إيران أم مع الولايات المتحدة ؟ وإنما .. كيف يستطيع العراق حماية مصالحه الوطنية في ظل صراع أمريكي إيراني يتجاوز حدود الدولتين ؟ إن السياسة الخارجية العراقية مطالبة اليوم بأن تتعامل مع الأزمة بمنطق الدولة لا بمنطق المحاور . فالعراق يمتلك علاقات ومصالح استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تربطه بإيران علاقات جغرافية واقتصادية واجتماعية ودينية عميقة . وأي محاولة لدفع العراق إلى اختيار أحد الطرفين على حساب الآخر ستضعه في مواجهة مباشرة مع جزء من مصالحه الوطنية .

ولهذا فإن الحوار الذي بدأت به الحكومة العراقية مع الجانب الأمريكي للحصول على استثناءات لبعض المطارات يمثل مساراً مهماً في معالجة الأزمة . فقد أعلنت بغداد أنها تسعى إلى استثناء يسمح باستئناف الرحلات لأسباب تتعلق بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية والمصالح المدنية، في محاولة لتخفيف الأضرار الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن توقف الرحلات. والأهم من ذلك أن بغداد مطالبة بأن تجعل هذه الاستثناءات واضحة ومكتوبة ومحددة، بحيث لا يتحول الملف إلى قرارات مؤقتة ومتغيرة تضع شركات الطيران والمطارات والمسافرين أمام حالة من عدم اليقين.

فالمواطن الذي يحجز تذكرة سفر، والمريض الذي يحتاج إلى العلاج، والطالب الذي يرتبط بدراسته، والزائر الذي يخطط لزيارة دينية، لا يمكن أن تكون مصالحه رهناً بتغيرات سياسية يومية . كما أن العراق بحاجة إلى توضيح الأساس القانوني والإداري للإجراء داخل أراضيه. فهناك فرق بين العقوبات الأمريكية التي تفرضها واشنطن على الشركات والجهات الإيرانية، وبين القرار العراقي الذي ينظم دخول الطائرات إلى المطارات العراقية. وهذا التفريق ضروري جداً للحفاظ على وضوح القرار السيادي العراقي، خصوصاً أن التقارير بشأن طبيعة الإجراءات العراقية شهدت اختلافاً بين الحديث عن قرار رسمي بتعليق الرحلات وبين تقارير أخرى تحدثت عن امتناع شركات المناولة والخدمات الأرضية عن التعامل مع الطائرات الإيرانية خشية العقوبات الأمريكية .

وهنا تظهر قضية السيادة بمعناها الحقيقي . السيادة ليست مجرد رفع شعار الاستقلال، وإنما قدرة الدولة على إدارة أجوائها ومطاراتها وحدودها وفق قوانينها ومصالحها، وفي الوقت نفسه قدرتها على التعامل بواقعية مع الالتزامات الدولية والمخاطر الاقتصادية . ولذلك فإن حماية السيادة العراقية لا تعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، كما أنها لا تعني الخضوع التلقائي لأي ضغط خارجي، وإنما تعني امتلاك بغداد موقفاً واضحاً تستطيع من خلاله التفاوض مع جميع الأطراف من موقع الدولة صاحبة القرار. وإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر أن شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات مرتبطة بشبكات ترى واشنطن أنها تخدم الحرس الثوري الإيراني أو تنقل أفراداً ومعدات، فإن على الولايات المتحدة أن تطرح أدلتها وقواعدها بوضوح، وعلى العراق في المقابل أن يضمن ألا تستخدم مطاراته وأجواؤه في أي نشاط يخالف قوانينه أو يعرض أمنه للخطر. لكن معالجة هذه المخاوف يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتعطيل مصالح المدنيين أو فرض واقع جديد على المطارات العراقية من دون تفاهم واضح مع الحكومة العراقية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المطارات العراقية إلى ساحة إضافية للصراع الأمريكي الإيراني. فالعراق عانى خلال السنوات الماضية من نتائج الصراعات الإقليمية والدولية، ولا يحتاج إلى أزمة جديدة تضاف إلى أزماته الاقتصادية والأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، فإن انتقال المسافرين من الطيران إلى النقل البري لا يعني انتهاء حركة السفر بين العراق وإيران، لكنه يعني ارتفاع الكلفة والوقت والمخاطر اللوجستية. كما أن جزءاً من النشاط الاقتصادي الذي كان يمر عبر المطارات سينتقل إلى المنافذ البرية، بينما ستتضرر شركات الطيران والمناولة والخدمات الفندقية والسياحية المرتبطة بحركة المسافرين جواً. ولأن العراق مقبل دائماً على مواسم دينية تشهد تدفقات بشرية كبيرة، فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يضع الجهات العراقية أمام تحديات أكبر في تنظيم حركة الزائرين.

وقد كشفت مواسم الزيارات الأخيرة عن حجم الحركة البشرية الكبيرة بين العراق والدول المجاورة، ولا سيما إيران، ما يجعل النقل الجوي أحد العناصر المهمة في إدارة هذه الحركة، إلى جانب النقل البري. كما أن الأزمة تحمل بعداً اقتصادياً لا ينبغي التقليل من شأنه. فكل طائرة تهبط في مطار عراقي تعني رسوماً وخدمات ومناولة ونقلاً وإنفاقاً على الفنادق والمطاعم والأسواق. وكل رحلة تتوقف تعني خسارة جزء من هذا النشاط، حتى لو لم تكن الخسارة قابلة للقياس الكامل في الوقت الحالي.

ولذلك فإن القرار المتعلق بالطيران لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية سياسية فقط، وإنما من زاوية اقتصادية واجتماعية وإنسانية أيضاً. وفي المقابل، فإن إيران أمام تحدٍ كبير يتعلق باستمرار قطاع الطيران لديها في ظل اتساع نطاق العقوبات. فالولايات المتحدة تسعى إلى جعل التعامل مع شركات الطيران الإيرانية أكثر كلفة وخطورة على المستوى الدولي، وقد بدأت تداعيات ذلك بالظهور في عدد من الدول التي علقت استقبال بعض الرحلات الإيرانية. لكن تحويل هذه الأزمة إلى مواجهة سياسية بين بغداد وطهران سيكون خطأً آخر. فالعلاقات العراقية الإيرانية أوسع من ملف الطيران، والمصالح المشتركة بين البلدين لا يمكن اختزالها في رحلات جوية متوقفة. وفي الوقت نفسه، فإن على إيران أن تدرك أن العراق دولة مستقلة، وأن إدارة مطاراته وأجوائه يجب أن تتم من خلال مؤسساته الرسمية ووفق مصالحه الوطنية والقوانين النافذة.

ومن هنا فإن بغداد تحتاج إلى معادلة دقيقة: لا تسمح باستخدام الأراضي والأجواء العراقية للإضرار بأي دولة أو خرق القوانين، ولا تسمح في الوقت ذاته بأن تصبح العقوبات الخارجية بديلاً عن القرار العراقي. إن العراق يستطيع أن يطالب واشنطن باستثناءات محددة للرحلات الإنسانية والمدنية، وأن يضع آليات رقابة واضحة على الرحلات والطائرات، وأن يضمن عدم استخدام المطارات العراقية في أنشطة مخالفة، وأن يحمي شركاته من المخاطر القانونية والمالية، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقاته مع إيران ويمنع تحول ملف الطيران إلى أزمة سياسية شاملة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة العراقية: ليس في قدرتها على إصدار قرار بالمنع أو السماح، وإنما في قدرتها على إدارة الأزمة بما يحفظ السيادة والمصلحة الوطنية معاً. فالسيادة العراقية لا ينبغي أن تكون شعاراً للاستهلاك السياسي، وإنما ممارسة يومية تبدأ من قرار الدولة في أجوائها ومطاراتها وحدودها واقتصادها. وفي المقابل، فإن الواقعية السياسية لا تعني التنازل عن القرار الوطني، وإنما تعني معرفة كيفية حماية هذا القرار وسط شبكة معقدة من المصالح الدولية. إن العراق اليوم يقف بين ضغط أمريكي متصاعد على إيران، وبين علاقات عراقية إيرانية عميقة، وبين مصالح اقتصادية وإنسانية لا يمكن تجاهلها. وأمام هذا المشهد، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله بغداد هو اعتماد الحوار والتفاوض، والحصول على استثناءات واضحة، ووضع قواعد قانونية معلنة، ومنع استخدام العراق ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة. فالمواطن العراقي لا يعنيه كثيراً من انتصر في معركة العقوبات، بقدر ما يعنيه أن تبقى بلاده قادرة على اتخاذ قرارها، وأن يبقى مطارها مفتوحاً وفق القانون، وأن يستطيع المريض الوصول إلى علاجه، والطالب إلى جامعته، والزائر إلى مقصده، والتاجر إلى سوقه، من دون أن يتحول كل ذلك إلى ورقة في صراع دولي.

وفي النهاية، فإن قضية الطيران الإيراني ليست قضية طائرات فحسب، بل هي اختبار جديد لمفهوم السيادة العراقية وحدود التأثير الخارجي على القرار الوطني. وإذا كانت واشنطن تستخدم العقوبات للضغط على طهران، فإن مسؤولية بغداد هي ألا تسمح بأن يتحول هذا الضغط إلى أزمة عراقية داخلية. العراق ليس مطالباً بأن يختار بين عاصمتين، وإنما بأن يختار مصلحته الوطنية. وليس مطلوباً منه أن يدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إيران، بل أن يستخدم موقعه الجغرافي والسياسي وعلاقاته مع الطرفين لبناء سياسة متوازنة تحمي مصالحه.

فالسماء العراقية يجب أن تبقى تحت القرار العراقي، والمطارات العراقية يجب أن تعمل وفق القانون العراقي، والعلاقات الدولية يجب أن تدار بمنطق المصالح لا بمنطق الإملاءات. إن المعركة الحقيقية ليست على الطائرة التي تهبط أو تقلع، وإنما على من يملك قرار السماء العراقية. وهنا تحديداً تكمن مسؤولية بغداد: أن تحافظ على سيادتها من دون عزل نفسها، وأن تحمي مصالحها من دون أن تتحول إلى ساحة صراع، وأن تقول لجميع الأطراف بوضوح إن العراق يمكن أن يكون شريكاً في السلام والاستقرار، لكنه لا ينبغي أن يكون منصة لحصار الآخرين ولا ساحة لتصفية حساباتهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *