أعلنت بغداد تخصيص الثلاثين من أيلول سبتمبر 2026 يوماً للسيادة، بالتزامن مع إنهاء آخر مهام قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ورغم أن هذه القوات لم تدخل البلاد أساساً إلا بطلب حكومي رسمي قدمته حكومة حيدر العبادي للمساعدة في مواجهة إرهاب تنظيم داعش عام 2014، وأن ما تبقى من هذه القوات لا يتعدى ثلاثة ألاف جندي و ضابط استقروا ضمن مواقع محددة حسب قول الحكومة ، فإن الخطاب الرسمي يمنح إنهاء هذه المهمة معنى يتجاوز ترتيباته العسكرية، ويقدمه بوصفه محطة جديدة لاكتمال السيادة العراقية.
وبقراءة مسار العراق بعد عام 2003، نجد أنفسنا أمام خمس محطات قُدمت، بدرجات مختلفة، بوصفها علامات على استعادة السيادة.
السيادة الأولى عام 2004 – حكومة إياد علاوي، نقل السلطة من سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر إلى الحكومة العراقية المؤقتة.
السيادة الثانية عام 2009 – حكومة نوري المالكي الأولى، انسحاب القوات الأمريكية من المدن والنواحي وتمركزها داخل القواعد العسكرية.
السيادة الثالثة عام 2011 – حكومة نوري المالكي الثانية، خروج آخر الأرتال الأمريكية وإنهاء الوجود العسكري المباشر بموجب الاتفاقية الأمنية.
السيادة الرابعة عام 2017 – حكومة حيدر العبادي، إعلان النصر على تنظيم داعش واستعادة السيطرة على المدن والحدود التي كان التنظيم قد احتلها.
السيادة الخامسة عام 2026 – حكومة علي فالح الزيدي، إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي والانتقال رسمياً إلى أطر العلاقات الأمنية الثنائية.
لكن تكرار مفهوم السيادة بهذه الصورة يطرح سؤالاً يتجاوز الاحتفال بالمناسبة. هل أصبحت السيادة تحولاً تاريخياً مكتمل الأركان؟أم مفهوماً سياسياً يتجدد مع كل إعادة ترتيب لعلاقة العراق بالقوى الدولية؟
وللإجابة، يمكن اختبار السيادة العراقية في ثلاثة مستويات أساسية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
عسكرياً وميدانياً، تكشف الشهادة الرسمية لرئيس أركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عبد الأمير يار الله، تحت قبة مجلس النواب عام 2022، عن وجود أكثر من أربعة آلاف مقاتل تركي يتمركزون في خمس قواعد رئيسية وأكثر من مئة نقطة عسكرية ممتدة في شمال العراق وهو وجود لم تقره اتفاقية مصادق عليها من البرلمان العراقي، فيما كانت أنقرة تربطه أساساً بمواجهة حزب العمال الكردستاني ب ك ك.
لكن هذه الذريعة نفسها دخلت مرحلة مختلفة بعد إعلان ب ك ك عام 2025 حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح، ثم بدء عملية تسليم رمزية للسلاح في إقليم كردستان ومع ذلك استمر الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي يعيد طرح السؤال عن مدى اكتمال سيادة الدولة على أراضيها وحدودها.
أما سياسياً، فقد ظهر أحد أكثر نماذج التدخل الخارجي وضوحاً خلال أزمة تشكيل الحكومة عام 2026، عندما اختار الإطار التنسيقي نوري المالكي مرشحاً لرئاسة مجلس الوزراء.
لم يأت الاعتراض هذه المرة عبر قناة دبلوماسية مغلقة، بل بصورة علنية ومباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نشر عبر منصته تروث سوشيال تحذيراً من إعادة المالكي إلى رئاسة الحكومة، وربط ذلك بإمكانية توقف الولايات المتحدة عن مساعدة العراق.
كانت تغريدة واحدة كافية لإدخال الاستحقاق الحكومي العراقي في دائرة الضغط الخارجي، وتحويل اختيار يفترض أنه محكوم بالتوازنات الدستورية والسياسية الداخلية إلى ملف تتداخل فيه إرادة دولة أخرى بصورة علنيةوبغض النظر عن الموقف من المالكي أو تقييم تجربته السابقة، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بشخص المرشح، بل بالسؤال الذي تطرحه الواقعة نفسها ،إلى أي مدى يستطيع النظام السياسي العراقي اتخاذ قراراته الكبرى بعيداً عن الفيتو الخارجي؟
أما اقتصادياً، فتظهر حدود السيادة بصورة أكثر تعقيداً، لأن العراق يتحرك داخل منظومة مالية شديدة الارتباط بالدولار الأمريكي وبالإجراءات التي تفرضها الخزانة الأمريكية على حركة الأموال والمصارف والتعاملات الخارجية.
وقد ظهرت هذه الحقيقة مجدداً مع العقوبات والقيود الأمريكية الأخيرة المتعلقة بإيران وحركة الطيران، وما ترتب عليها من انعكاسات على الرحلات بين البلدين وفي مثل هذه الحالات لا تبقى العقوبات شأناً بين واشنطن وطهران، بل تمتد آثارها إلى القرار العراقي نفسه وإلى المواطن العراقي المتجه للعلاج أو الزيارة، وإلى النشاط الاقتصادي في المدن التي تعتمد قطاعات منها على حركة المسافرين والزائرين.
وهنا تصبح القضية أكبر من رحلة طيران ألغيت أو مصرف قُيدت تعاملاته،إنها تتعلق بمقدار المساحة التي تملكها الدولة العراقية للمناورة عندما تتعارض مصالحها الداخلية مع القرارات الصادرة من خارج حدودها.
إن السيادة لا تُصنع بقرارات العطل الرسمية ولا بالاحتفالات الإعلامية وحدها، ولا تقاس فقط بعدد الجنود الأجانب الذين يغادرون قاعدة عسكرية.
السيادة بمعناها الفعلي، قرار سياسي لا يُفرض عليه فيتو من الخارج، وأرض لا توجد عليها قوات أجنبية خارج إرادة الدولة، وسلاح وطني واحد يحمي الحدود والأجواء، واقتصاد يمتلك من أدواته ما يسمح له بحماية مصالح مواطنيه دون أن يبقى قراره مرهوناً بإرادة الآخرين.
لذلك فإن الثلاثين من أيلول قد يمثل بالفعل نهاية مرحلة عسكرية مهمة في العراق، لكنه في الوقت نفسه يفتح اختباراً أكبر لمفهوم السيادة نفسه.
فهل نعيش حقاً زمن استعادة السيادة؟أم أننا ننتقل مجدداً من مرحلة الوجود العسكري المباشر إلى شكل آخر من القيود السياسية والاقتصادية على القرار الوطني؟


