دون حكاية: نظرة في العنصريّة العالمية ضدّ القضيّة الفلسطينيّة

دون حكاية: نظرة في العنصريّة العالمية ضدّ القضيّة الفلسطينيّة
   بعيداً عن أنواع التّمييز البشعة كلّها التي تعرّض الشّعب الفلسطينيّ لها نستطيع القول إنّها الأغرب في تاريخ الإنسانية؛ إذ لم يسجّل التاريخ أبداً طوال تاريخه الدّمويّ الشّائن تواطؤ المجتمع العالميّ والإنسانيّ في جلّه إزاء سرقة بلد كامل من أهله، وتشريد شعب كامل على أيدي جماعات من اللّصوص والقتلة الذين جاءوا من كلّ مكان في العالم ليستوطنوا أرض شعب تمزّق بين الإبادة الجماعية البشعة وبين الأسر وبين التّهجير القسريّ خارج وطنه...

بعيداً عن أنواع التّمييز البشعة كلّها التي تعرّض الشّعب الفلسطينيّ لها نستطيع القول إنّها الأغرب في تاريخ الإنسانية؛ إذ لم يسجّل التاريخ أبداً طوال تاريخه الدّمويّ الشّائن تواطؤ المجتمع العالميّ والإنسانيّ في جلّه إزاء سرقة بلد كامل من أهله، وتشريد شعب كامل على أيدي جماعات من اللّصوص والقتلة الذين جاءوا من كلّ مكان في العالم ليستوطنوا أرض شعب تمزّق بين الإبادة الجماعية البشعة وبين الأسر وبين التّهجير القسريّ خارج وطنه، ليسيح مكرهاً في أصقاع الدّنيا كلّها.

أقول بعيداً عن الحديث عن تلك الأنواع البغيضة  كلّها من التّمييز التي تعرّض لها الشّعب الفلسطينيّ على أيدي  أعدائه من الصّهاينة وعلى أيدي الكثير من الجهات والحكومات المتورّطة في نكبته، نجد أنّ هذا الشّعب قد وقع فريسة لأشكال نادرة وغريبة وقاسية من التّمييز العنصريّ.

على الرّغم من أنّ التّمييز هو جريمة إنسانيّة وقانونيّة وأخلاقيّة ودينيّة وعُرفيّة وذوقيّة، وهو في أشكاله كلّها تكريس لمعاني الألم والحرمان والظّلم كلّها، إلاّ أنّه قد يتغوّل ليصبح حقيقة أساسيّة في وجود الإنسان المنكود، فيفقد مثلاً حقّه الطّبيعيّ والمتواضع في أن تكون له حكايته الخاصّة مثلاً.

كلّ إنسان في هذه المعمورة له حكايته الخاصّة المحكومة بظروفه وأحلامه وشخصيّته وأفعاله ومعطياته وتصرّفاته ومقاصده وغاياته وملكاته، وهي التي تشكّل حياته التي نختصرها في نهاية الأمر في سيرته، وهذه الحكاية هي التي تشكّل بالطّبع ذلك الرّافد غير المتناهي من الاحتمالات والممكنات والمستحيلات التي ترسم جميعها أقداره، وتسمح له بأن يحلم ولو لمرة واحدة في حياته بحرّيّة وانتقاء مبني على كامل الفرص والخيارات، وهذه الحكاية هي التي تلخّص سعادة الإنسان أو تعاسته، كما تمثّل نسق حياته، وتكشف عن مكنونات ذاته، ولأجل هذه الحكاية نحن نعيش حياتنا، لتكوننا الحكاية، ونكون نحن الحكاية، وفيما بعد تصبح حكايتنا هي حياتنا، وغير غائب عن واعٍ أنّ حكاية كلّ إنسان هي مقدّسه الخاص؛ فهي باختصار سفر وجوده، ومفردات أزمانه، وإنّما تكون قيمة حياتنا وتقيمنا لمعاني وجودنا اعتماداً على حكاياتنا، فنقول ذلك شجاع؛ لأنّ حكايته كانت عن الشّجاعة، وأعني هنا حكاية حياته، وذلك مكافح؛ لأنّ حكايته كانت عن الكفاح، ونقول ذلك قائد عظيم؛ لأنّه اختار أن يقود جماعة أو طائفة أو شعب أو ربما أمّة نحو الخيارات الصّحيحة، إلخ.

كلٌّ إنسانٍ -إلى حدٍّ ما هو- حرّ في اختيار حكايته، أو على الأقلّ كانت عنده فرص الاختيار لها بشكل أو بآخر، إلاّ الشّعب الفلسطينيّ فهو منذ سبعة عقود ونيف لم تكن عنده حكايته الخاصّة، ولم يكن يملك حقّ اختيار حكايته وفق ما يشتهي ويأمل؛ لأنّ الفلسطينيّ تمارس ضدّه جريمة تمييز بشع اسمه الحرمان من الحكاية، والانضمام قسراً تحت مظلّة حكاية واحدة جبريّة اختارها العدوّ الصّهيونيّ له؛ فالفلسطينيون يعيشون حكاية قسريّة في كلّ مكان، في حين أنّ البشر جميعاً يعيشون حكاياتهم المتنوّعة والمتفاوتة بكامل اختياراتهم وقراراتهم، فذلك رجل يحلم، وتلك امرأة تكافح، وهؤلاء طلبة يجتهدون، وأولئك بانون عاملون، وتلكم أمهات صالحات، وهنا وهناك أمثلة على الصّلاح والفساد، والبناء والهدم، والفضيلة والرّذيلة، وفي كلّ مكان حكاية بل وحكايات يعيشها أصحابها، وتسير بهم وفق مأمولهم تارات، وضدّ أمانيهم تارات أُخر، إلاّ الفلسطينيين؛ فهم جميعاً أسرى كابوس اسمه حكاية قسريّة واحدة.

  وحكايتهم الجبريّة الواحدة تقول:

كانوا يعيشون في سلام، كانت أحلامهم قيد أنملة من حيواتهم، لم يحاربوا بشراً في يوم، لم يكرهوا بشراً في يوم، لم يكونوا صيارفة أو قتلة أو تجّار موت أو دمار، بل كانوا زرّاعاً وبناة وصانعي حضارة مسالمة وموغلة في القدم.

الحياة عندهم كانت تختصر في البناء والامتداد والإخلاص لتفاصيل حياتهم البسيطة حيث العمل ليل نهار، وانتظار المواسم، والمشاركة في الأفراح والأتراح، وتربية الأبناء، ومعاونة الجيران، ومجاملة الأقارب والأنسباء، ثم جاءهم السّخط والغضب وأيام العذاب علي أيدي شرذمة من الجائعين الغرباء الصّهاينة الذين جمعهم الموت والجوع والتشرّد، فجاءوا إلى أرض فلسطين تحميهم الأسلحة والعصابات والإرادة الدّوليّة الغاشمة التي صمّت آذانها عن أبسط مبادئ العدالة الدّوليّة، وتواطأتْ مع تلك العصابات في أكبر سرقة في الّتاريخ، إذ هي أوّل مرة يُسرق فيها بلد بكامله، ويُغتال شعب بأكمله!

من يومها أصبحت حكايات الشّعب الفلسطينيّ تتلخّص في: التّشريد والحرمان والظّلم والقسوة والسّجن والتّعذيب والإبادة الجماعيّة والموت والعنصريّة.

يعتقد البعض أنّ الموت هو أبشع ما قد يتعرّض له الإنسان، لكنّني أعتقد جازمة بأنّ حرمان الإنسان من أن يعيش حكايته الخاصّة هو أبشع ما قد يتعرّض له في هذه الدنيا؛ إذ يعني هذا أنّه لا يستطيع أن يحلم، أو أن ينتظر، أو أن يتمنّى؛ فالطّرق جميعها مغلقة أمامه، وهذا في نظري أبشع من الموت، إذ سلّمنا بأنّ الحياة لا تستوي إلاّ بالحلم والانتظار والأماني، كما لا تستمرّ إلاّ بالعمل والسّعي والاجتهاد.

في العالم كلّه تحتمل لحظة اجتماع قلبي رجل وامرأة الحكايات والنّهايات كلّها، أمّا عند الفلسطينيّ فالحكاية الوحيدة هي الفراق في ظلّ السّجن أو النّفي أو القتل أو التّرهيب والملاحقة.

في العالم كلّه قصّة الأمومة والأبوّة والبنوّة تمتدّ في الأفعال والاحتمالات كلّها، وتتراوح بين البرّ والعقوق والإسعاد والإشقاء والفراق واللّقاء والامتداد والانقراض إلاّ الفلسطينيّ؛ فحكايته أبوّة رجاله وحكاية أمومة نسائه تمتدّ دائماً في الفجع والثّكل والألم، فإمّا أن يُحرموا من أبنائهم المطاردين أو المسجونين أو المنفيين أو المبعدين، وإمّا أن يتقلّدوا قسراً لقب ذوي الشّهداء، وإمّا أن يعيشوا على حافة انتظار الفجيعة التي قد تطرق أبوابهم في أيّ لحظة مصحوبة بإعقاب بندقية صهيونيّ غاشم، وإمّا أن يصبحوا صوراً في أُطر سوداء معلّقة على جدران في بيوت أيتام فقدوا والديهم في حروب لا تنتهي مع العدوّ الرّابض على القلوب والحشا.

في العالم كلّه قصّص الرّاحلين أو المغادرين تبدأ منهم، وتنتهي بهم، وتحتمل دائماً العودة ولمّ الشمل،  كما تحتمل النّهايات السّعيدة، دون أن يمنعها ذلك من أن تذعن أحياناً إلى النّهايات الحزينة أو الفاجعة، أمّا الفلسطينيّ فعندما يغادر تكون حكايته الجبرية تتلخّص في أن لا يعود، وإن عاد فلا يعود إلاّ في كفن محمولاً على الأعناق!

هذه هي حكاية الفلسطينيّ التي تتلخّص في أن لا يكون له حكاية، فالفلسطينيون  كلّهم مأسورون في حكاية كابوسيّة واحدة، اسمها العذاب، ثم يتكلّم العالم بعد هذا الظّلم كلّه عن العدالة، والفلسطينيّ تمارس ضدّه أنواع التّمييز العنصريّ كلها، فيُحرم حتى من حقّه في أن يملك حكاية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *