وظيفة البطل الهامشي في قصص زياد أبو لبن

وظيفة البطل الهامشي في قصص زياد أبو لبن
يسند زياد أو لبن دور البطل في قصصه لأشخاص هامشيين،ليسوا من الصفوة والأغنياء وكبار التجّار والملاك والمترفين والمبرزين والمشهورين والمتنفذين والسّاسة ومراكز السلطة والقرار والفنانين ورجال الدّين المتنفذين،بل هم أبطال منتقون من الشرائح الاجتماعية المتوسطة ودون المتوسطة والمسحوقة أمثال المنسيين...

     يسند زياد أو لبن دور البطل في قصصه لأشخاص هامشيين،ليسوا من الصفوة والأغنياء وكبار التجّار والملاك والمترفين والمبرزين والمشهورين والمتنفذين والسّاسة ومراكز السلطة والقرار والفنانين ورجال الدّين المتنفذين،بل هم أبطال منتقون من الشرائح الاجتماعية المتوسطة ودون المتوسطة والمسحوقة أمثال المنسيين والمدقعين فقراً من متسوّلين و لصوص ر و متشردين و بائعين متجوّلين و صغار الموظفين والفلاحين وأصحاب الحرف المتواضعة والأعمال الموسومية والعاطلين عن العمل وأصحاب السوابق ومجهولي النّسب حيث حياة الكدح والتعب، والتمركز على حافة التكشيل الاجتماعي الذي يحتلّ الصّفوة مركزه، ويديرون عجلته،ويشكلون أدباً خاصاً يسجّل حياة ترفهم وقضايا مشهدهم المختلف تماماً عن المشهد الحياتي اليومي عند الأناس الهامشيين في المجتمع الذين يشكلون في الغالب المشهد العريض للحياة الاجتماعية في التوليفة الحقيقية غير المفترضة أو المنتقاة لشرائح أو أمثلة مفترضة من المجتمع.

والبطل الهامشي في قصص زياد أبو لبن يضطلع بوظائف فكرية عديدة تعلّل وجوده الفني، وتضطلع بدوره البنائي بل والمعرفي والتنويري فضلاً عن التثويري في البناء السّردي دون تكلّف أو إدعاء،بل هذا البطل يقوم بوظيفته بسلاسة طبيعية يؤهلّه لها شكله الاجتماعي ومحدداته الإنسانية ومعطياته الحياتية ضمن موقعه في السّلم الاجتماعي الأمر الذي يتيح لزياد أبو لبن نظرة فاحصة ودارسة ومحلّلة وناقدة لجوانيات المشهد الاجتماعي بكلّ معطياته وظروفه انزلاقاً إلى تشخيص الحالة الخارجية العامة له.

وظيفة التعرية:

وهذه الوظيفة تجنح تماماً إلى فضح المدّعين والمتقولين وأصحاب الشعارات البرّاقة، والأفكار العملاقة المزعومة والمثاليات الطوبائية التي تخفي خلفها أنفساً قزمة مريضة ما أسهل أن تباع وتشترى، وتسقط أمام إغراءات المادة والامتيازات.ففي قصة “قبل عشرين عاماً” من مجموعة هذيان ميت نجد بطل القصة  يوسف الذي يخرج في مظاهرة مع زوجته احتجاجاً على أمر لا نعرفه، وهو على أتمّ الاستعداد لأيّ مساءلة أو ضرب على أيدي جنود الجيش يتفاجأ بصديقه أحمد في الصف الأوّل من العساكر المدجّجين بالسلاح والهراوات وواقيات الرصاص،لينكشف في لحظة لاغير سرّ سجنه في الماضي ، وتعذيبه؛فأحمد الصديق لم يكن أكثر من متاجر بالمبادىء والافكار والحريات، ليله يقضيه في رسم الخطط لثورة طلاب الجامعة، ونهاره يبيعه لرجال المخابرات والأمن، فيسقط اأصدقاؤه بمن فيهم أحمد في قبضه الاعتقال والتعذيب والاستجواب.

وهذه اللحظة الحقيقة والفاضحة لأحمد، تعرّيه تماماً، كما تصيب يوسف بانتكاسة في معتقداته ومسلماته ورمزوه الإنسانية، فينسحب من المظاهرة مقهوراً، ويعود إلى المخيم لا ثائراً أو ناشطاً في أيّ عمل سياسي بل بائع حلوى شعر بنات،لاهمّ له إلاّ لقمة العيش لاغير.

ومن جديد يفضح زياد أبو لبن أجهزة السّلطة الأمنية التي تغالي بتجريم المواطن، وتعيشه في تاريخٍ مروّع من محاكم التفتيش بحجة الحفاظ على الأمن، ومطاردة بؤر الفساد والإفساد،فتسجنه وتحرمه ممارسة حياته الطبيعية، وتطعمه للنسيان والشيخوخة والمرض، حتى إنّها قد تسرق قواه العقلية ورغبته في الحياة. ففي قصة” الصعود إلى أسفل” يصل البطل إلى حالة مرضية محزنة بسبب سجنها الطويل في المعتقل حتى لا يعود يعلم إن كان ميتاً أم حياً، ويمضي أوقاته سادراً في جنون وهذيان ومكابدات لا تنتهي في محاولة فهم حقيقة وجوده، والبحث دون جدوى عن طريقة للانتحار لتريحه من عذاب لا ينتهي على يد سلطة هي موجودة ولو افتراضياً واعتبارياً من أجل الحفاظ على حقوق مواطنته وإنسانيتها لا سلبها كلّها دون وجه حق!

أمّا في قصة “عزلة الصّمت” فالسلطة الغاشمة تغدو عوناً للفساد والمفسدين على سقوط الأفراد، واحتراقهم في أتون الحياة الشّاقة المضنية، فلارا الفتاة الجميلة الجامعية كانت تحلم بالزّواج من حبيبها حسن، وبتوفير لقمة حياتها من عمل شريف،وهل هذا حلم كبير؟ يبدو أنّه كذلك على إنسانة على هامش المجتمع، الذي يزج بحبيبها في السّجن بتهمة الكلام في مواضيع سياسية ،وهو اللاجىء المطرود من بلده الذي لا يحق له الكلام بالسياسة، فيحرمها منه، ثم يحاول رئيسها في العمل أن يجرّدها من شرفها مقابل لقمة عيشها، فما يكون منها إلاّ أن تنتحر غير آبهة بحياتها المنكودة.

وظيفة رسم معاناة طبقة الهامشيين في المجتمع:

البطل الهامشي هو وليد المعاناة وربيب الحرمان والعوز والاحتياج والفقد في الغالب، ولذلك ينتخبه زياد أبو لبن  ليقوم بوظيفة رسم معاناته، وفضح مجتمعه الذي يصمّ أذنيه ويهزّ كتفيه لا مبالياً بمعاناته التي تمثّل حرمانه من جلّ حقوقه الإنسانية الطبيعية في خضم حياة معاصرة باتت مكرّسة للمادة ولمن يملك ثمن حصوله على حقوقه،في حين يحرم من لا يملك ثمنها من أبسط … بكلّ صفاقة ولا إنسانية.

ففي قصة “بيت آخر” من مجموعة “هذيان ميت” يفشل البطل الذي كان يحلم بالحبّ والزواج من فاطمة التي أحبّ في أن يجد بيتاً يأويه وأولاده الثلاث بعد أن ذرع الأماكن شبراً شبراً يبحث له عن أمتار تحت سقف تأويه، تحطّم قلبه، وكفر بالحبّ الذي عاش حياته يتبتّل في محرابه، وأيقن أن رحلته الطويلة، وعمله المخلص في سبيل العلم واللقمة الحلال لن تكون ملاذه من التشّرد بعد أربعين عاماً قضاها حالماً بيوم جديد، فما كان منه إلاّ أن أقدم على الانتحار إزاء عجزه عن توفير بيت لأسرته،ليتركنا في مواجهة بشاعة وجه الحرمان الذي يطلّ كدراً قبيحاً مشوّه الملامح على الفقراء والنكودين الذين لا عون لهم في هذه الحياة البائسة.

ولذلك لا غرو أن نجد البطل في قصص أبو لبن يسعى أن يجد العدل والمساواة بطريقة أو بأخرى ولو في عوالم مفترضة وفي وقائعواحداث متخيّلة، يزيح إليها ويسقط فيها ما يعجز أدواته عن امتلاكه وتحقيقه في عالمه الواقعي.ففي قصة ” عالم آخر” في مجموعة ” هذيان ميت” يتسلّح الشيخ أحمد بالسّرد العجائبي الذي يخترق القوانين الطبيعية لعالمنا، ويدين لقوانين خارجه عن حقائقه،فيروي لحفيده تجربته مع العدل في دنيا الجنّ حيث يقتل دون قصد وبضربة وتد في حائط بيته ابن الجني شحروت،ويجلب من عالم الإنس على عالم الجنّ كي يقاضى على جريمته، ثم يبرأ من جريمته لعدم قصديته ، ويعاد إلى عالمه الظالم حيث لا عدل، وهو الإنسي، لا الغريب في دنيا الجنّ، لتغدو تجربته مع عدلهم سرّه الأثير الذي لايفتأ يجرّع عالمه الذي ينقصه الكثير من العدل.

أمّا في قصة “الأوغاد أيضاً” في مجموعة” هذيان ميت” فالبطل يتجرّع مكرهاً مرارة إرثٍ كبير من الحرمان والتوجّع بسبب منظومته الاجتماعية التي تحصره في زوايا ضيقة خانقة، فهو قد درس في الجامعة مادة اللغة العربية في حين كان يتمنّى دراسة الفيزياء؛لأنّ أنظمة الجامعات تعتمد أنظمة تدين للعلامات لاغير، وأحبّ فتاة وحرم منها؛لأنّه كتب رأيه بكلّ وضوح ومباشرة وذاتية في صحيفة طلبة الجامعة في بعض قضايا المرأة الشائكة، ثم كان عليه أن ينزوي في الصمت ؛لأنّه فقير، بالكاد يجد كفاف يومه.

فيختزن في نفسه كلّ الحق على مجتمعه وعلى حبيبته بل وعلى نفسه العاجزة المحرومة التي لا تملك إلاّ البصق على ذكرياتها وأوجاعها وماضيها وحاضرها.

ويتكّرر مشهد إدانة المجتمع، وتجريم صمته إزاء معاناة الكثير من أفراده، وهي معاناة قد تكون مركبة قاهرة ماحقة، تستدعي كلّ أسباب الضّيق ، فالبطل في قصة ” هذيان ميت” في مجموعة ” هذيان ميت” إنسان قد تجرّد من كثير من متع الحياة مجبراً وإن ظنّ أنّه مختاراً لذلك، ومتأسياً بالشاعر أبي العلاء المعرّي.

ففقره جعله يهجر اللحوم، ليكون نباتياً، ويهجر الزّواج ليكون عازباً وحيداً، ويهجر النّاس، ليكون معتزلاً في بيته لا يغادره، ويهجر المخيم الذي قبع فيه مطروداً من وطنه ليعمل معلماً في إحدى دول الخليج، يرضى بالقليل، ويبذل الكثير من العمل والإخلاص من أجل توفير لقمة عيشه،ويهجر العودة إلى المخيم ليبقى في الأجازة الصيفية في عمله وفي خلوته الطويلة مع كتبه صديقه الوحيد في الحياة؛ إذ لا أحد ينتظره من أهل أو أحبّة أوأصدقاء في المخيم.

فماذا يكون عقابه على حرمانه وسلسلة هجره لملذات الحياة، تعتقله المخابرات في البلد الخليجي الذي يعمل فيه، وتحقّق معه طويلاً عن سبب بقائه وعدم عودته في الإجازة الصيفية إلى وطنه،فما يكون منه بعد أن حرم حتى من كرامته إلاّ أن يطلق الرّصاص على نفسه هاجراً حتى الحياة الضيقة عليه وعلى أمثاله من المهمشين المنكودين لا سيما أهل المخيمات الذين لم يعرفوا من حياتهم إلاَ الطّرد والرحيل والانتظار والرّيبة وغرف التحقيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *