الإبحار في مدائن الوجدقراءة في المجموعة الشعرية ( مدائن الوجد ) للفنّان الشاعر طالب غالي

الإبحار في مدائن الوجدقراءة في المجموعة الشعرية ( مدائن الوجد ) للفنّان الشاعر طالب غالي
طالب غالي الانسان الذي سكنته الموسيقى فصارت معشوقته الأولى والمعبّر الأول عن ما يعتلج في روحه وذاته من وجد وذكريات وهواجس، سكنه هاجس الشعر أيضاً، فالموسيقى والشعر صنوان لن يفترقا أبداً مهما دارت الأيام وتغيّرت المفاهيم والرؤى، لهذا أخذ يسرد حكاياته ، ويعبّر عن ما يدور في نفسه بقصائد حمّلها دواوينه الثلاثة، وما بين أيدينا الآن هو ثالثها الذي وسمه بثريّا نص ( مدائن الوجد ) والذي جعله على شكل جزئين...

(تيمّمْ… بحزنكَ،

حين تغدو الدموعُ ذوائب ملحٍ على مقلتيكْ

فليس على الدربِ نهرٌ من الشهد،

ولا بئر زمزمَ،

فعيناك مبصرتان، شاخصتان،

بوسع السماء

ترى ما لا تراه العيون الزجاجية الزرق)

حين تقرأ هذه الكلمات تأخذك سرحة ذكريات لتركب زورق أحلامك وتشاطر الشاعر هواجسه وأحلامه وتدور معه بين زوايا ودرابين مدن سكنت ذاكرته لتكون جزءاً من عشقه ورومانسيته التي يبثّها على الورق قصائد وحكايات ورسائل شوق !!

طالب غالي الانسان الذي سكنته الموسيقى فصارت معشوقته الأولى والمعبّر الأول عن ما يعتلج في روحه وذاته من وجد وذكريات وهواجس، سكنه هاجس الشعر أيضاً، فالموسيقى والشعر صنوان لن يفترقا أبداً مهما دارت الأيام وتغيّرت المفاهيم والرؤى، لهذا أخذ يسرد حكاياته ، ويعبّر عن ما يدور في نفسه بقصائد حمّلها دواوينه الثلاثة، وما بين أيدينا الآن هو ثالثها الذي وسمه بثريّا نص ( مدائن الوجد ) والذي جعله على شكل جزئين ، كلاهما يصبّان في بحرٍ واحد هو الشوق والذكريات وما سكن الشاعر من هواجس شتى لمدينته ومدن أخرى سكنها أو مرّ بها !!

ونبدأ من الإهداء الذي خصّ به زوجته وأبناءه وأهله بعبارة ( إلى الأُلى أحببتْ ــ ص5 )، ثم قدّم لقصائده بمفتتح استقاه من جلال الدين الرومي :ــ( حين تعثرُ على الجمال في قلبك، فستعثر عليه في كل قلب ــ ص7 ) ومَنْ يتعمّق في هذا الكلام يجد أن المحبّة وصناعة الجمال التي يسعى إليها كل إنسان حقيقيٍّ هي أساس الشروع في بناء حياة تسمو بكل ما هو جميل في الكون !!

بعد ذلك نطرق أبواب الجزء الأول من الكتاب والذي وسمه بعنوان ( عند ضفة الحلم ) لتكون بوّابة دخولنا هذه العبارة التي توحي أن الشاعر حالم بالجمال ويسعى الى تحقيق هذا الحلم من خلال بوحه على الورق بمكنون عشقه الأزلي للوطن والناس حيث يقول في قصيدته التي كانت مفتتح الكتاب ( فيوضات ):ــ

(ما كنّا نحلمُ يوماً أ نرث الأرضَ

وما فيها ،ومَنْ عليها،

أو نلبس تيجان ملوك الشرق الذهبية

فالأرض المبسوطة رحمٌ للأشياء المبثوثة فيها

فوق اليابسة

أو تحت الماء،

نبتاً …بشراً

ولكلّ تلاوين الأحياء

عشّاقاً كنّا …ص11)

وفي عبارة أخرى للرومي يوظّفها في القصيدة يقول :ـ

(لا تكن بلا حبٍّ

كي لا تشعر أنّك ميّت

مت في الحب وابق حيّاً للأبد) ص 11

هنا نجد بين كلام الشاعر وعبارة جلال الدين الرومي آصرةً قوية وامتداداً لما يريده الشاعر في ما سيقوله لاحقاً في قصائد أخرى حتماً!!

وبمعنى أدقّ أن الرومانسية الحقيقية والاشتغال على العاطفة الحميمية ما لها وما عليها نجدها مهيمنة على قلب الشاعر الذي ينبض عشقاً وتفيض روحه بالجمال فينثره عبقاً لحنياً يأخذنا بموسيقاه الى عوالم من جنان خضر وزبرجد وجمان ولآليء من وجد وحكايات !!

وفي القصيدة الثانية من الجزء الأول نجده يتأمل ذاته قائلاً :ــ

(أأكون على شكل شراعٍ

كي أبحر منفلتاً من أرشيف الأرض

أهوّم في كل محيطات العالم

أم …

أوغل في ملكوت الله على هيأة طيرٍ

كي أفلت من

أصفاد الأسلاك الشائكة الأرضية ؟ )ص15

أي أن الشاعر إنسان أتعبه الترحال هنا وهناك بحثاً عن لحظة طمأنينة وهدوء وأمان ، أو لحظة حبٍّ هنا وسلامٍ هناك !!

وتتوالى قصائده في هذا الجزء التي تقارب (24) قصيدة يتأمل فيها الشاعر كل محطّات حياته التي مرّ بها أو توقّف عندها قليلاً أو طويلا ، ليقف صارخاً في إحداها ( نريد وطن )، وهنا تتجلّى غربته التي عاشها منذ أن فارق مدينة طفولته وصبا وشبابه وعشقه الأزلي البصرة مرغماً هارباً من بطش نظام دمويّ ليظلّ يدور في رحاب الأرض باحثاً عن مستقر، لكنّه يصطدم بما آلت إليه أمور البلاد والعباد بعد سقوط الطاغية واستفحال الفساد في كل مفصل من مفاصل الحياة ليظلّ القلق معرّشاً فوق نفوس الناس الفقراء ويبات الحزن في القلوب وتمور الأرواح ظمأى لكل ما هو جميل وسعيد :ــ

(وأنت الذي مازج الطهر بدمّ الشهادة

وأدنى لكعبته الملكوت بمن يسبّح فيه

من هسيس الملائك والمرسلين

حنانيك

لا تدع الحصى الطائشات يحطّمن فيك المرايا

وغصن التباهي ،وصدق النوايا

فها أنت أوقدت في الصخر ناراً

وانبتّ في رحم الأرض جذراً تنامى،

وبرعمَ في أضلع الأمهات

فاستوى وطنا …. ) ص44

ونظل في رحلة الشوق والحب والبحث عن وطن يسمو بكل جماليات الكون حتى نصل الضفة الأخرى من الكتاب ألا وهي الجزء الثاني الذي وسمه بعنوان(وقفات تحت شجرة المحبّة ) والذي حمّله ( 12) قصيدة أهداها الى أحبابه في مناسبات عزيزة عليهم كعيد ميلاد ابنتيه لنا ودنا، وبعض أصدقائه، إضافة إلى قصائد استذكارية لعدد من أصدقائه المخلصين ككوكب حمزة وصالح حسين ( أبو سلام ) وداود منشد ( أبو نهران ).

طالب غالي الذي لم تفارق الموسيقى قصائده أيضاً كونه معجون بها أخذنا برحلة وجد وسِفْر محبّة واشتياق لمدائن لهوه وفرحه وحزنه وحياته التي عاشها والتي لم يعشها راسماً برومانسيته المعهودة لوحات من جمال ظلّ شعاعه يضيء كل حرفٍ منها !!

مدائن الوجد / شعر/ منشورات دار المدى 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *