الحرب والعكاز

الحرب والعكاز
تناول النص الهدوء الذي أعقب المواجهة بين إيران وإسرائيل، متوقفًا عند قدرة السيد علي خامنئي، رغم تقدمه في العمر، على إدارة إيران وسط تحديات داخلية وخارجية ضخمة. يوضح الكاتب أن سر هذه القدرة يعود إلى تصميم النظام الإيراني الذي يمنح المرشد الأعلى مركزية مطلقة، إضافة إلى قوة شخصية خامنئي وإرادته المرتكزة على رؤية عقائدية شاملة...

توقفت الصواريخ، خفت أزيز الطائرات، وبدأت الجبهات تهدأ في واحدة من أكثر الجولات حساسية بين إيران وإسرائيل. لكن الصمت لم يهدئ الأسئلة، ولم يُطفئ جذوة التأمل في المشهد الذي تابعته العواصم بكل أجهزتها وتحليلاتها، كأنها تتابع نبضًا لا معركة.

من بين هذه الأسئلة، استوقفني واحد، بسيط في صياغته، لكنه عميق في دلالته:

كيف لرجل تجاوز الخامسة والثمانين من عمره، أن يقود دولة بحجم إيران، وسط هذا الصراع الكوني، بكل ما يحمله من تحديات داخلية وحصار خارجي، وصدام مع قوى كبرى، دون أن ترتعش منه الإرادة أو تضيع منه البوصلة؟

إنه السؤال الذي لا يطرحه العقل السياسي فحسب، بل يشغل العقل الإنساني أولًا. في هذا العمر، كثيرون يعانون من صعوبة الحركة، أو ضعف الذاكرة، أو الحاجة إلى من يعينهم على تفاصيل الحياة اليومية. أما السيد علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، فقد بدا خلال الأيام العشرة التي اشتعل فيها الشرق الأوسط، كأنه الرجل الذي يُمسك بإحدى قبضتيه بجذوة القرار، وبالأخرى بنصوص التوجيه.

هذا المشهد لا يُقرأ من زاوية الإعجاب أو الخصومة، بل من زاوية التحليل البحت:

كيف تُمكن الشيخوخة أن تتحوّل إلى مركز قرار؟ وكيف يُمكن لرجل في هذا السن أن يُدير دولة تواجه إسرائيل مباشرة، وتخوض بالوكالة حروبًا على امتداد الجغرافيا؟

الإجابة هنا لا تنفصل عن طبيعة النظام الإيراني نفسه، الذي صُمّم ليمنح المرشد الأعلى مركزية مطلقة، تحيط بها منظومات أمنية، دينية، عسكرية، واستشارية، تعمل على تنفيذ رؤيته وتغذيها بالمعطيات. خامنئي ليس مجرد شيخ في برج عاجي. هو مركز الثقل في منظومة عقائدية ترى في الصراع مع إسرائيل والغرب جزءًا من تعريف هويتها ووجودها.

من هنا، تتحوّل الشيخوخة إلى ما يشبه “المرجعية الرمزية”، لا عبئًا زمنيا. الخطابات التي يُلقيها، والرسائل التي يُصدرها، تُقرأ في طهران ودمشق وبيروت وبغداد وصنعاء كتعليمات استراتيجية، لا كمواعظ من الماضي.

لكن ما يثير الانتباه أكثر من شكل النظام، هو القدرة الشخصية للرجل على البقاء في موقعه بهذه الفاعلية. فمن جهة، هو مرجع ديني، ومن جهة أخرى، هو قائد سياسي يُصدر قرارات مصيرية في لحظات اشتباك شاملة. هذه القدرة لا تنبع من القوة الجسدية، بل من إرادة مشروطة برؤية كُلية للصراع، تُغلّب البُعد العقائدي على الميكانيكا اليومية للسلطة.

المثير أن خامنئي، وهو في عقده التاسع، بدا خلال الأزمة الأخيرة أكثر تماسكًا في خطابه من كثير من زعماء العالم الذين لم يبلغوا نصف عمره. لا اضطراب، لا تردد، لا غياب. حتى ظهوره المتكرر بدا محسوبًا بدقة، وكأن الوقت ليس عدوًا له، بل حليفه.

المفارقة أن كثيرًا من الزعماء العرب، ممن تقل أعمارهم بكثير عن خامنئي، يبدو عليهم التعب المبكر، أو العجز المزمن عن اتخاذ قرارات مصيرية، أو حتى إدارة ملفات داخلية لا تلامس حدود الجبهات.

فهل نحن أمام ظاهرة فريدة اسمها خامنئي، أم أمام نموذج متكرّر لرجال السلطة الذين يتغذون على الإيمان بالقضية والاستقرار النفسي العميق؟

وهل الشيخوخة عائق فعلي في السلطة، أم أن الإرادة وحدها هي الفيصل؟

المقال لا يهدف إلى تمجيد شخص، ولا إلى الوقوف في صف نظام، بل يسعى لفهم كيف يمكن لرجل عجوز أن يُمسك بزمام بلد يتوسط بؤرة النار، ويقود مسارًا لا يبدو أنه في نهايته. هذا سؤال لا يُقلق فقط من يعارضه، بل يجب أن يقلق من لا يستطيع، في عمر الشباب، أن يُدير حتى غرفة عمليات بحجم شارع مزدحم.

في النهاية، يبقى خامنئي، كما يبدو في هذه الأيام، شاهدًا على معادلة جديدة تقول:

القيادة ليست بالعمر، بل بالبوصلة… ومن امتلكها، نجا من السقوط، حتى لو بلغ من العمر عتيّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *