جبار الوائلي في مجموعته الشعرية (لا جدوى من البكاء أبدا) الحكمـة وروح الشـعر

جبار الوائلي في مجموعته الشعرية (لا جدوى من البكاء أبدا) الحكمـة وروح الشـعر
تنشطر الفاعلية الشعرية للنص عند الشاعر جبار الوائلي، في مجموعته الشعرية (لا جدوى من البكاء أبدا)، في بؤرتين مولدتين تتشكلان ضمن (مجرتين) نصيتين تهيمنان على فاعلية التأويل النصي: مجرة الحكمة ذات البساطة الواحدية التي تعنى بالانزياح الدلالي، من جانب، ومجرة الشعر التي تعنى بالانزياح اللغوي...

1

تنشطر الفاعلية الشعرية للنص عند الشاعر جبار الوائلي، في مجموعته الشعرية (لا جدوى من البكاء أبدا)، في بؤرتين مولدتين تتشكلان ضمن (مجرتين) نصيتين تهيمنان على فاعلية التأويل النصي: مجرة الحكمة ذات البساطة الواحدية التي تعنى بالانزياح الدلالي، من جانب، ومجرة الشعر التي تعنى بالانزياح اللغوي، من جانب مقابل، والشاعر، في كلا المجرتين، يحاول أن يقف موقفا (وسطا) بشكل لا يطمس فاعلية واحدة من هاتين المجرتين وطغيانها على الأخرى، إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة دائما تماما، ففي طيات النص نجد ترصيعات متناثرة من هاتين الإستراتيجيتين تتجاوران جنبا إلى جنب، ومع ذلك يبلغ الفصل أحيانا حدا واضحا حينما تتجمع الحكمة في نصوص قصيرة تقابلها نصوص تتجمع خلاصة الشعر فيها.

2

لقد تم بناء العناوين لتدلل على حكمة ومحنة وجود بدءا من عنوان المجموعة: (لا جدوى من البكاء أبدا)، و(من منا يعرف أن يقرا…؟)، وأحيانا يحاول بناء دراما عنوان ببث ما يتمكن من فراغات وعلامات طباعية داخل العنوان: (ويأتي الليل مجنونا؟!)، (أرعبتنا الخطوات..!!)، (تعاريف من زمن الجحود؟)، (مات ويبقى السؤال؟!)، (اجفلتني دهشتان!!)، (حينما تتكلم الجراح؟!)، (استمطرت الحزن.. فانقطع الرجاء؟!)، (إيه.. يا وطن الأحزان!!)

بل انه يؤسس متنه الشعري من حكم منثورة :

“أنا لا ابغي حرفا يطعمني زادا” (ص7)

“لكن الفقر مبتور الأيدي!!”(ص7)

“امقت زيف الزئبق” (ص8)

“في مدرج عمري الشاحب

آمنت لا صمت!

والدنيا تتكلم” (ص9)

“العاشق منبوذ عرفا!!” (ص 20)

“أنا لست من قطيع

عرف الدرب عصا..

فمشى معصوب عين في الظلام!

يبتغي الترخيص في حوج الكلام!” (ص 26)

“ذئاب الناس لا ترحم!!” (ص 32)

“لو تسرج الغيوم لي صهوتها!!” (ص 34)

“موجة كدمعة الغريب” (ص 35)

3

يوظف الشاعر تقنية الحذف أو فراغات النص باعتبارها نصا، أو جزءا من النص، واضعا قارئه أمام مهمة صعبة في ردم الفراغات للوصول إلى الدلالة الخفية؛ فينوّه الشاعر بأنه يقدم نصا مليئا بالفراغات التي على القارئ أن يردمها؛ فيتساءل:

من هذا  المأفون الآتي؟!

ينشدنا ترتيلة عصر لا نفهمها!!!” (ص 16)

“الأبواب المشروعة،

وصدت!…

والمزلاج من صنع الـ…!!” (ص 21)

“سقط الواحد…؟!”(ص 22)

“أما…

أو…” (ص 45)

“ما عرفت..

ما معنى..

ال…..!!” (ص13)

بل انه ينوه بان نصه مملوء بالفراغات؛ لذا قد يكون عصيا أحيانا:

“والليل الأدهم..

يتساءل

من هذا المأفون الآتي؟!

ينشدنا ترتيلة عصر لا نفهمها!!!” (ص 16)

وان الكلمات مراوغة المعنى

“إن الزئبق…

كلمات تجري فينا..” (ص 17)

 

4

تبدو قدرة الشاعر على الرسم السريالي واضحة فيبدو أن مصمم الغلاف ناصر قوطي قد تلمس ذلك حينما اختار إحدى اللوحات السريالية للرسام خوان ميرو لوحة غلاف للمجموعة:

“من يوشم شارة

في خارطة الوجه المدجي بالزئبق!!” (ص 21)

“خمرا نشربها في كاس مقلوبة!

والغيمات الحبلى

تتهافت” (ص 21)

“يا شيطانا..

من قدمي اخرج

راسك مفلوقا نصفين” (ص 23)

يستلهم في نص (اللوحة) رسم لوحات الصلب لعصر النهضة

“شبح الليل المرعب!!

يسمرني صليبا..

لمناقير الغربان؟!” (ص 45)

ينقل الشاعر قدرته هذه عن الرسم الى حقل بناء الصور الشعرية، فتبدو صوره مليئة بالغرابة التي تبدو أحيانا درجة واحة وتكون على درجة عالية وفنية من الاستعارات:

“لو تسرج الغيوم لي صهوتها!!” (ص 24)

“نخلة مفروشة الظلال” (ص 35)

“موجة كدمعة الغريب” (ص 35)

“أنياب الغابة..

خنقت شفقي…” (ص 11)

“الزئبق

كلمات تجري” (ص 17)

 

5

رغم أن الشاعر جبار الوائلي يتجنب الإفراط والإسراف اللغوي، إلا أن هذا لم يمنعه أن يأتي المعنى دون مواربة أو دوران، إلا أن مقارنة قصائده بنمط من القصائد القصيرة يجعلنا نشعر أن هذه المقاطع القصيرة ذات سمات متفردة عن مجمل منجزه الشعري، فلها بنية تقرب من الصور الشعرية أو مقاطع الهايكو واسميها (مجرات الحكمة) وهي ذات شعرية مركّـزة وتتميز بالاقتصاد اللغوي الشديد، حيث تتكثف فيها خلاصة الشعر، وهي مبنية بناء أرسطيا من: بداية ووسط ونهاية، أو فروض وبراهين ومطلوب إثباته ووفق خريطة طوبولوجية تتألف من:

اسم أو تعريف أو ظرف

(فراغ) فعل + حرف جر + اسم

جملة التبرير المنطقي (فاء السببية + جملة التبرير)

أو (خلاصة الحكمة)

 

(تعاريف من زمن الجحود)

الحقيقة: استغاثة..

……….. نسمعها من غابات القبور

إن حملتنا الخطوات؟!

………………..

 

الحرية:

أمنية..

………. تسمرت  فوق الشفاه

عجز الصوت..

فتلعثمت بلسان مبتور؟!

……………….

 

اللغة: إيماءات..

………. تحركها أنامل الارتعاش

حينما الليل يغفو

والذئاب..

اتخمها الاصطياد!!

……………….

 

الفجر: أمل من صنع الإله

……….. في لحظة طائشة،

يتفجر البزوغ..

فيدرك العقل ولادة الإنسان؟!

…………….

 

السعادة: هدأة لا تدوم

………. نلمسها..

من وراء الأبواب الموصدة،

ومتاريس القلوب الراجفة؟!

……………

 

النسيان: نعمة تنأى بك..

……….. عن مرأى أهرامات الأحزان

لكنها ارث يتجدد..

في كل الأحيان؟!

………….

 

السخط: صلاة الناس الساخرة..

……….. وأكاذيب زهد الهراء

فمساحيق الوجوه..

تكشفها لفحات الهجير؟!

………………….

 

الضمير: لواقح النخيل في قلوبنا

……….. سيثمر طلعه..

متى غضب الإله؟!

…………………..

 

الفرح: ابتسامة خفية..

………. نسرقها خلسة من أعين الأطفال

بظلال..

سرعان ما يزول؟!

…………………..

 

الموت: سوق تكتظ به الأشلاء

………. نبتاعها..

ببكاء حبيس،

وانين مكبوت،

خيفة..

أن تلفنا قوافل الأموات؟!

…………………..

6

وهنالك نصيصات هي تعاريف قصيرة يجمعها الشاعر في نص عنوانه (ارعبتنا الخطوات..!!) (ص 37) واسميناها (مجرات الشعر)، وهي مليئة بكثافة الشعر، وهي مبنية بناء محكما لامجال فيه للزوائد او لهيمنة الوزن الشعري على حساب الشعرية:

“الحقيقة:

“أروع لوحة..

انهار مآق الدمع

لا يدرك أسرار تحفتها

إلا من…

يحمل رقما،

في قائمة الفقراء!!” (ص 37)

“لماذا نصلي..؟!

ونجيع الدرب ترسمه خطانا،

ألا نعترف..

بأنا مذنبون؟!” (ص 40)

7

يظهر أحيانا ان تختفي فاعلية الإزاحة اللغوية، فتظهر الحكمة اكبر خيباتها حينما يواجه المعنى القارئ عاريا؛ فتقترن الصفة بالموصوف بطريقة تفتقر الإزاحة الضرورية للشعر:

“الليل الثقيل” (ص 57)

“الدرب البهيم” (ص 61)

“النبض الحزين” (ص 65)

“النطق الظليم” (ص 65)

“الصبح الضحوك” (ص 65)

“العزم الغيور” (ص 66)

“اللون النشاز” (ص 67)

بينما تظهر خيبة الشعر حينما يبدو الوزن (العروض الخليلي) وكأنه يتغذى من جرف الشعرية، أو يحل محلها، حينما يتسلط على القصيدة فيدير دفة المعنى، ويفقد الشاعر سيطرته، وهو ما لا يحدث في النصوص التي يتمكن الشاعر فيها من كبح الوزن الشعري فتظهر شعرية النص وتتم الإزاحة الشعرية بالمعنى وباللغة بشكل متساوق:

“اني امقتُ..

صوت الهمس،

في وطن…

مهزوم الصوت

في وطن

لا يطلب خمرا ورديا..

لا يطلب سورا يحميه..

بل يطلب كفا يطعمه،

يلثم فاها..

يطلب فرحة ” (ص 8)

تحدث أهم الحالات التي يهيمن فيها المعنى النثري على النص في (المقدمات) التي تتقدم النص شارحة ومفسرة له، مما يجعلها أشبه بشروح الهوامش التي تنبثق من نصوص المخطوطات القديمة، وهذه النصوص تبتدئ من الإهداء:

“إلى التي بسطت كف قلبها سراجا، بدد عني عتمة الحياة، في صراعات الزمن الكفيف..  إلى التي منحتني اوتدة الوقوف.. رغم غضب الريح العاتية، وإعصارها المجنون..!!… ” (ص 5)

“تجهمت غابتي ببرد الصيف القارص.. واصفرت أعشابها.. فماتت وهي تحيا.. بربيع النبض والحركة!!” (ص 31)

“كحلت شيبات رأسي انتكاسا.. عسى أن تنتخي الزوابع ببصيص وهج.. يرحم ضعف الفقراء؟!”(ص 61)

ويهيمن المعنى النثري في الترابطات الصفة والموصوف التي لم يشتغلها الشاعر بعناية ومنها: (الليل الثقيل)، (الدرب البهيم) (النطق الظليم) (الصبح الضحوك) (اللون النشاز) (زغاريد صبيتها البريئة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *